المنطق
المنطق
وهذا التأويل ليس بجيد ولا بين المرين تباين يفترقان به. بل إنما يعني بالمسألة هاهنا لا المطلوب، بل المسألة التي تؤخذ مقدمة. فمن ذلك مبدأ يتم بيانه في ذلك العلم، ومن ذلك ما من شأنه أن يبين في ذلك العلم ويبين به غيره أيضا. فالمبادئ مسائل هندسية، أي مسائل نافعة في الهندسة. والمطالب مسائل هندسية، أي مسائل من الهندسة، وليس كونهما مسائل هندسية بنوع واحد، وإن كانا من حيث هما نافعان في مطالب أخرى من الهندسة لا يختلفان. وإذا حققت اعتبار معنى المسألة، فلا يجوز أن يكون المبدأ مسألة من العلم الذي هو مبدأ فيه، لأن المسألة في علم ما جزء من ذلك العلم تكتسب بمبادئه.
والمسائل متميزة عن المبادئ. وليس أحد من أصحاب العلوم يمكنه أن يبين مبادئه من جهة ما هو صاحب علمه. فالمهندس من جهة ما هو مهندس لا يمكنه إثبات مبادئه. والمناظري من جهة ما هو مناظري كذلك. فإن تكلف المناظري ذلك في مبادئه فقد صار هندسيا. ومن جهة الهندسة ما يبين مبادئه. وإن تكلف المهندس ذلك في مبادئه، فقد صار فيلسوفا. ومن جهة ما هو فيلسوف ما يبين مبادئه.
ومبادئ جميع العلوم تبين في علم ما بعد الطبيعة. وكما أنه ليس لأحد من أصحاب العلوم أن يبين مبادئه، فكذلك لا كلام له مع من يناقض مبادئه، ولا كلام له مع من لا يبني على مبادئه. ولا أيضا يلزمه أن يجيب عن كل مسألة، بل إنما يلزمه إن كان مهندسا أن يجيب عن المسألة الهندسية.
وعلى صاحب علم ما أن يعرف عماذا يجيب، وعلى السائل أن يعرف عماذا يسأل. فإذا كان السائل إنما يخاطب المهندس في أمور هندسية مبنية على مبادئ الهندسة فهو مصيب، وإلا فليس بمصيب. ولا أيضا مطلوبه ينكشف في الهندسة بالذات، بل عسى بالعرض، وكذلك المجيب المهندس. فلا كلام له مع من ليس بمهندس فإن كلامهما فضل ويجري مجرى ردئ المآخذ.
ثم إن المسألة التي ليست علمية - أي ليست مثلا هندسية - على وجهين : أحدهما أن تكون بالجملة خارجة عن ذلك العلم، والآخر أن تكون بوجه داخلة فيه. مثلا لو أن إنسانا سأل في الهندسة عن الأضداد هل علمها واحد، فقد سأل مسألة من حق الفلسفة الأولى. أو عن عددين مكعبين هل يجتمع منهما مكعب كما يجتمع من عددين مربعين مربع، فقد سأل مسألة حسابية. أو قال مثلا هل طرفا الذي بالكل والأربعة متفقان؟ فقد سأل مسألة تأليفية. فأي هؤلاء سأل في الهندسة كانت مسألته غير هندسية على الإطلاق. وكذلك إن جهل هذا، كان جهله غير هندسي على الإطلاق. وفرق بين الخطأ والجهل المطلق على ما نوضح بعد في موضعه. فكل خطأ جهل، وليس كل جهل خطأ.
ولو أن إنسانا سأل على سبيل التقرير هل خطان وقع عليهما خط فصير الزاويتين اللتين تتبادلان متساويين - يلتقيان، أو ظن في نفسه أنهما يلتقيان، لم تكن هذه المسألة تقريرا هندسيا، ولا هذا الظن ظنا هندسيا من جهة، وكانا هندسيين من جهة. ذلك لأن غير الهندسي يقال على وجهين : أحدهما بمعنى السلب العام المقارن لعدم القوة في الشيء كقولنا إن النقطة لا وزن لها ولا نهاية لها، وإن اللون غير مسموع. والثاني بمعنى السلب المقارن للقوة، كقولنا للساكن الذي من شأنه أن يتحرك إنه ليس يتحرك. فالمسألة الغير الهندسية، والظن الغير الهندسي على الوجه الأول هو الذي لا يكون في قوة حدوده أن تكون هندسية أو تصير بعمل ما هندسية، مثل قولنا إن طرفي الذي بالكل والأربعة متفقان أو غير متفقين أيهما كان خطأ : فإن هذه الحدود لا يمكن أن ترد إلى مسألة هندسية أو ظن هندسي. وإن أزيل حالها الذي هو الإيجاب إلى السلب ، فليس في قوة حدود هذه المقدمة أن تصير هندسية. وأما على الوجه الثاني فهي أن لا تكون هندسية بسبب أن نسبتها إلى الهندسة نسبة رديئة، وإن كانت هندسية من وجه لكون حدودها بالقوة هندسية، وإن كانت ليست بالفعل. ألا ترى أن تلك الحدود إذا حفظت وأزيل ما عرض لها من النسبة الإيجابية بينها إلى نسبة سلبية، فقيل مثلا إن الخطين الواقع عليهما خط كذا وكذا لا يلتقيان، صارت المسألة حينئذ هندسية. فهذه المسألة بالقوة هندسية، وبالفعل مضادة للهندسة. ولما كانت الأضداد إنما تنسب إلى موضوع واحد وجنس واحد، فلا بأس أن يقال من هذه الجهة لكليهما مسألة هندسية أو ظن هندسي.
الفصل الثاني)106 أ(في اختلاف العلوم الرياضية وغير الرياضية مع الجدل وفي أن الرياضة بعيدة عن الغلط وغيرها غير بعيدة منه، وبيان ما ذكر في التحليل والتركيب
صفحہ 469