المدخل

المقالة الأولى

المقالة الأولى من الفن الأول من الجملة الأولى وهي في علم المنطق

الفصل الأول في الإشارة إلى ما يشتمل عليه الكتاب

قال الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، أحسن الله إليه: وبعد حمد الله، والثناء عليه كما هو أهله، والصلاة على نبيه محمد وآله الطاهرين، فإن غرضنا في هذا الكتاب الذي نرجو أن يمهلنا الزمان إلى ختمه، ويصحبنا التوفيق من الله في نظمه، أن نودعه لباب ما تحققناه من الأصول في العلوم الفلسفية المنسوبة إلى الأقدمين، المبنية على النظر المرتب المحقق، والأصول المستنبطة بالأفهام المتعاونة على إدراك الحق المجتهد فيه زمانا طويلا، حتى استقام آخره على جملة اتفقت عليها أكثر الآراء، وهجرت معها غواشي الأهواء. وتحريت أن أودعه أكثر الصناعة، وأن أشير في كل موضع إلى موقع الشبهة، وأحلها بإيضاح الحقيقة بقدر الطاقة، وأورد الفروع مع الأصول إلا ما أثق بانكشافه لمن استبصر بما نبصره ، وتحقق ما نصوره، أو ماعزب عن ذكرى ولم يلح لفكر. وأجتهدت في اختصار الألفاظ جدا " ، ومجانبة التكرار أصلا، إلا ما يقع خطأ أو سهوا " ، وتنكبت التطويل في مناقضة مذاهب جلية البطلان أو مكفية الشغل بما نقرره من الأصول، ونعرفه من القوانين. ولا يوجد في كتب القدماء شئ يعتد به إلا وقد ضمناه كتابنا هذا؛ فإن لم يوجد في الموضع الجاري بإثباته فيه العادة وجد في موضع آخر رأيت أنه أليق به؛ وقد أضفت إلى ذلك مما أدركته بفكري، وحصلته بنظري، وخصوصا في علم الطبيعة وما بعدها، وفي علم المنطق.

وقد جرت العادة بأن تطول مبادئ المنطق بأشياء ليست منطقية، وإنما هي للصناعة الحكمية أعنى الفلسفة الأولى، فتجنبت إيراد شئ من ذلك، وإضاعة الزمان به وأخرته إلى موضعه.

ثم رأيت أن أتلو هذا الكتاب بكتاب آخر، أسميه " كتاب اللواحق " ، يتم مع عمري، ويؤرخ بما يفرغ منه في كل سنة، يكون كالشرح لهذا الكتاب، وكتفريع الأصول فيه، وبسط الموجز من معانيه.

ولي كتاب غير هذين الكتابين، أوردت فيه الفلسفة على ماهي في الطبع، وعلى ما يوجبه الرأي الصريح الذي لايراعى فيه جانب الشركاء في الصناعة، ولايتقى فيه من شق عصاهم ما يتقى في غيره، وهو كتابي في " الفلسفة المشرقية " .

وأما هذا الكتاب فأكثر بسطا، وأشد مع الشركاء من المشائين مساعدة.

ومن أراد الحق الذي لامجمجة فيه، فعليه بطلب ذلك الكتاب، ومن أراد الحق على فيه ترض ما إلى الشركاء وبسط كثير، وتلويح بما لو فطن له أستغنى عن الكتاب الآخر، فعليه بهذا الكتاب ولما أفتتحت هذا الكتاب أبتدأت بالمنطق وتحريت أن أحاذى به ترتيب كتب صاحب المنطق، وأوردت في ذلك من الأسرار واللطائف ما تخلو عنه الكتب الموجودة. ثم تلوته بالعلم الطبيعي، فلم يتفق لي في أكثر الأشياء محاذاة تصنيف المؤتم به في هذه الصناعة وتذاكيره. ثم تلوته بالهندسة، فاختصرت كتاب الأسطقسات لأوقليدس اختصارا لطيفا، وحللت فيه الشبه واقتصرت عليه. ثم اردفته باختصار كذلك لكتاب المجسطي في الهيئة يتضمن مع الاختصار بيانا وتفهيما، وألحقت به من الزيادات بعد الفراغ منه ما وجب أن يعلم المتعلم حتى تتم به الصناعة، ويطابق فيه بين الأحكام الرصدية والقوانين الطبيعية. ثم تلوته باختصار لطيف لكتاب المدخل في الحساب. ثم ختمت صناعة الرياضيين بعلم الموسيقى على الوجه الذي انكشف لي، مع بحث طويل، ونظر دقيق، على الاختصار. ثم ختمت الكتاب بالعلم المنسوب إلى ما بعد الطبيعة على أقسامه ووجوهه، مشارا فيه إلى جمل من علم الأخلاق والسياسات، إلى أن أصنف فيها كتابا جامعا مفردا.

وهذا الكتاب، وإن كان صغير الحجم، فهو كثير العلم، ويكاد لايفوت متأمله ومتدبره أكثر الصناعة، إلى زيادات لم تجر العادة بسماعها من كتب أخرى؛ وأول الجمل التي فيه هو علم المنطق.

وقبل أن نشرع في علم المنطق، فنحن نشير إلى ماهية هذه العلوم إشارة موجزة، ليكون المتدبر لكتابنا هذا كالمطلع على جمل من الأغراض.

الفصل الثاني في التنبيه على العلوم والمنطق

صفحہ 1

فنقول: إن الغرض في الفلسفة أن يوقف على حقائق الأشياء كلها على قدر مايمكن الإنسان أن يقف عليه. والأشياء الموجودة إما أشياء موجودة ليس وجودها باختيارنا وفعلنا، وإما أشياء وجودها باختيارنا وفعلنا. ومعرفة الامور التي من القسم الأول تسمى فلسفة نظرية، ومعرفة الأمور التي من القسم الثاني تسمى فلسفة عملية. والفلسفة النظرية إنما الغاية فيها تكميل النفس بأن تعلم فقط، والفلسفة العملية إنما الغاية فيها تكميل النفس، لا بأن تعلم فقط، بل بأن تعلم ما يعمل به فتعمل. فالنظرية غايتها اعتقاد رأى ليس بعمل، والعملية غايتها معرفة رأى هو في عمل، فالنظرية أولى بأن تنسب إلى الرأى.

والأشياء الموجودة في الأعيان التي ليس وجودها باختيارنا وفعلنا هي بالقسمة الأولى على قسمين: أحدهما الأمور التي تخالط الحركة، والثاني الأمور التي لاتخالط الحركة، مثل العقل والبارى. والأمور التي تخالط الحركة على ضربين: فإنها إما أن تكون لاوجود لها إلا بحيث يجوز أن تخالط الحركة، مثل الإنسانية والتربيع، وما شابه ذلك، وإما أن يكون لها وجود من دون ذلك. فالموجودات التي لاوجود لها إلا بحيث يجوز عليها مخالطة الحركة على قسمين: فإنها إما أن تكون، لا القوام ولا في الوهم، يصح عليها أن تجرد عن مادة معينة، كصورة الإنسانية والفرسية، وإما أن تكون يصح عليها ذلك في الوهم دون القوام، مثل التربيع، فإنه لا يحوج تصوره إلى أن يخص بنوع مادة، أو يلتفت إلى حال حركة. وأما الأمور التي يصح أن تخالط الحركة، ولها وجود دون ذلك، فهي مثل الهوية، والوحدة، والكثرة، والعلية. فتكون الأمور التي يصح عليها أن تجرد عن الحركة، إما أن تكون صحتها صحة الوجوب، وإما ألا تكون صحتها صحة الوجوب، بل تكون بحيث لايمتنع لها ذلك، مثل حال الوحدة، والهوية، والعلية، والعدد الذي هو الكثرة. وهذه فإما أن ينظر إليها من حيث هى هى، فلا يفارق ذلك النظر النظر إليها من حيث هى مجردة، فإنها تكون من جملة النظر الذي يكون في الأشياء، لا من حيث هى في مادة، إذ هى، من حيث هى هى، لا في مادة، وإما أن ينظر اليها من حيث عرض لها عرض لايكون في وجود إلا في المادة. وهذا على قسمين: إما أن يكون ذلك العرض لايصح توهمه أن يكون إلا مع نسبة إلى المادة النوعية والحركة، مثل النظر في الواحد، من حيث هو نار أو هواء، وفي الكثير، من حيث هو أسطقسات، وفي العلة، من حيث هي مثلا حرارة أو برودة، وفي الجوهر العقلي، من حيث هو نفس، أى مبدأ حركة بدن، وإن كان يجوز مفارقته بذاته. وإما أن يكون ذلك العرض - وإن كان لايعرض إلا مع نسبة إلى مادة ومخالطة حركة - فإنه قد تتوهم أحواله وتستبان من غير نظر في المادة المعينة والحركة النظر المذكور، مثل الجمع والتفريق، والضرب والقسمة، والتجذير والتكعيب، وسائر الأحوال التي تلحق العدد، فإن ذلك يلحق العدد وهو في أوهام الناس، أو في موجودات متحركة منقسمة متفرقة ومجتمعة، ولكن تصور ذلك قد يتجرد تجردا ما حتى لايحتاج فيه إلى تعيين مواد نوعية.

فأصناف العلوم إما أن تتناول إذن اعتبار الموجودات، من حيث هى في الحركة تصورا وقواما، وتتعلق بمواد مخصوصة الأنواع،وإما أن تتناول اعتبار الموجودات، من حيث هى مفارقة لتلك تصورا لاقواما، وإما أن تتناول اعتبار الموجودات، من حيث هى مفارقة قواما وتصورا.

صفحہ 2

فالقسم الأول من العلوم هو العلم الطبيعى.والقسم الثاني هو العلم الرياضى المحض، وعلم العدد المشهور منه، وأما معرفة طبيعة العدد، من حيث هو عدد، فليس لذلك العلم. والقسم الثالث هو العلم الإلهى. وإذ الموجودات في الطبع على هذه الأقسام الثلاثة، فالعلوم الفلسفية النظرية هى هذه. وأما الفلسفة العملية: فإما أن تتعلق بتعليم الآراء التي تنتظم باستعمالها المشاركة الإنسانية العامية، وتعرف بتدبير المدينة، وتسمى علم السياسة، وإما أن يكون ذلك التعلق بما تنتظم به المشاركة الإنسانية الخاصية، وتعرف بتدبير المنزل؛ وإما أن يكون ذلك التعلق بما تنتظم به حال الشخص الواحد في زكاء نفسه، ويسمى علم الأخلاق. وجميع ذلك إنما تحقق صحة جملته بالبرهان النظرى، وبالشهادة الشرعية، ويحقق تفصيله وتقديره بالشريعة الإلهية.

والغاية في الفلسفة النظرية معرفة الحق، والغاية في الفلسفة العلمية معرفة الخير .

وماهيات الأشياء قد تكون في أعيان الأشياء، وقد تكون في التصور، فيكون لها اعتبارات ثلاثة: اعتبار الماهية بما هى تلك الماهية غير مضافة إلى أحد الوجودين وما يلحقها، من حيث هى كذلك؛ واعتبار لها، من حيث هى في الأعيان، فيلحقها حينئذ أعراض تخص وجودها ذلك؛ واعتبار لها، من حيث هى في التصور، فيلحقها حينئذ أعراض تخص وجودها ذلك، مثل الوضع والحمل، ومثل الكلية والجزئية في الحمل، والذاتية والعرضية في الحمل، وغير ذلك مما ستعلمه؛ فإنه ليس في الموجودات الخارجية ذاتية ولا عرضية حملا، ولا كون الشئ مبتدأ ولا كونه خبرا، ولا مقدمة ولا قياسا، ولا غير ذلك. وإذا أردنا أن نتفكر في الاشياء ونعلمها، فنحتاج ضرورة إلى أن ندخلها في التصور، فتعرض لها ضرورة الأحوال التي تكون في التصور فنحتاج ضرورة إلى أن نعتبر الأحوال التي لها في التصور، وخصوصا ونحن نروم بالفكرة أن نستدرك المجهولات، وأن يكون ذلك من المعلومات. والأمور إنما تكون مجهولة بالقياس إلى الذهن لامحالة، وكذلك إنما تكون معلومة بالقياس إليه.والحال والعارض الذي يعرض لها حتى ننتقل من معلومها إلى مجهولها، هو حال وعارض يعرض لها في التصور، وإن كان مالها في ذاتها أيضا موجودا مع ذلك، فمن الضرورة أن يكون لنا علم بهذه الأحوال، وأنها كم هى، وكيف هى، وكيف تعتبر في هذا العارض. ولأن هذا النظر ليس نظرا في الأمور، من حيث هى موجودة أحد نحوى الوجودين المذكورين، بل من حيث ينفع في إدراك أحوال ذينك الوجودين، فمن تكون الفلسفة عنده متناولة للبحث عن الأشياء، من حيث هى موجودة، ومنقسمة إلى الوجودين المذكورين، فلا يكون هذا العلم عنده جزأ من الفلسفة؛ ومن حيث هو نافع في ذلك، فيكون عنده آلة في الفلسفة؛ ومن تكون الفلسفة عنده متناولة لكل بحث نظري، ومن كل وجه، يكون أيضا هذا عنده جزأ من الفلسفة، وآلة لسائر أجزاء الفلسفة. وسنزيد هذا شرحا فيما بعد.

والمشاجرات التي تجري في مثل هذه المسألة فهى من الباطل ومن الفضول: أما من الباطل، فلأنه لاتناقض بين القولين، فإن كل واحد منهما يعنى بالفلسفة معنى آخر؛ وأما من الفضول، فإن الشغل بأمثال هذه الأشياء ليس مما يجدى نفعا.

وهذا النوع من النظر هو المسمى علم المنطق، وهو النظر في هذه الأمور المذكورة، من حيث يتأدى منها إلى أعلام المجهول، وما يعرض لها من حيث كذلك لاغير.

الفصل الثالث فصل في منفعة المنطق

صفحہ 3

لما كان استكمال الانسان - من جهة ما هو إنسان ذو عقل - على ماسيتضح ذلك في موضعه، هو في أن يعلم الحق لأجل نفسه، والخير لأجل العمل به واقتباسه، وكانت الفطرة الأولى والبديهة من الإنسان وحدهما قليلى المعونة على ذلك، وكان جل ما يحصل له من ذلك إنما يحصل بالاكتساب، وكان هذا الاكتساب هو اكتساب المجهول، وكان مكسب المجهول هو المعلوم، وجب أن يكون الإنسان يبتدئ أولا فيعلم أنه كيف يكون له اكتساب المجهول من المعلوم وكيف يكون حال المعلومات وانتظامها في أنفسها، حتى تفيد العلم بالمجهول، أي حتى إذا ترتبت في الذهن الترتب الواجب، فتقررت فيه صورة تلك المعلومات على الترتيب الواجب، انتقل الذهن منها إلى المجهول المطلوب فعلمه. وكما أن الشئ يعلم من وجهين: أحدهما أن يتصور فقط حتى إذا كان له إسم فنطق به، تمثل معناه في الذهن، وإن لم يكن هناك صدق أو كذب، كما إذا قيل: إنسان، أو قيل: افعل كذا؛ فإنك إذا وقفت على معنى ماتخاطب به من ذلك، كنت تصورته. والثاني أن يكون مع التصور تصديق، فيكون إذا قيل لك مثلا: إن كل بياض عرض، لم يحصل لك من هذا تصور معنى هذا القول فقط، بل صدقت أنه كذلك. فأما إذا شككت أنه كذلك أو ليس كذلك، وقد تصورت مايقال؛ فإنك لاتشك فيما لاتتصوره ولا تفهمه، ولكنك لم تصدق به بعد؛ وكل تصديق فيكون مع تصور، ولا ينعكس. والتصور في مثل هذا المعنى يفيدك أن يحدث في الذهن صورة هذا التأليف، وما يؤلف منه كالبياض والعرض. والتصديق هو أن يحصل في الذهن نسبة هذه الصورة إلى الأشياء أنفسها أنها مطابقة لها، والتكذيب يخالف ذلك. كذلك الشئ يجهل من وجهين: أحدهما من جهة التصور، والثاني من جهة التصديق؛ فيكون كل واحد منهما لايحصل معلوما الإ بالكسب، ويكون كسب كل واحد منهما بمعلوم سابق متقدم، وبهيئة وصفة تكون لذلك المعلوم، لأجلها ينتقل الذهن من العلم بها إلى العلم بالمجهول. فها هنا شئ من شأنه أن يفيد العلم بالمجهول تصوره، وشئ من شأنه أن يفيد العلم بالمجهول تصديقه. ولم تجر العادة بأن يفرض للمعنى الجامع - من حيث علمه يفيد علم تصور شئ - اسم جامع، أو لم يبلغنا؛ لأن منه حدا، ومنه رسما، ومنه مثالا، ومنه علامة، ومنه اسما، على ما سيتضح لك، وليس لما يشترك فيه اسم عام جامع. وأما الشئ الذي يتريب أولا معلوما، ثم يعلم به غيره على سبيل التصديق، فإن ذلك الشئ يسمى - كيف كان - حجة؛ فمنه قياس، ومنه استقراء، ومنه تمثيل، ومنه أشياء أخرى.

صفحہ 4

فغاية علم المنطق أن يفيد الذهن معرفة هذين الشيئين فقط؛ وهو أن يعرف الإنسان أنه كيف يجب أن يكون القول الموقع للتصور، حتى يكون معرفا حقيقة ذات الشئ؛ وكيف يكون، حتى يكون دالا عليه، وإن لم يتوصل به إلى حقيقة ذاته؛ وكيف يكون فاسدا، مخيلا أنه يفعل ذلك، ولا يكون يفعل ذلك، ولم يكون ذلك، وما الفصول التي بينها؛ وأيضا أن يعرف الإنسان أنه كيف يكون القول الموقع للتصديق، حتى يكون موقعا تصديقا يقينيا بالحقيقة لايصح انتقاضه؛ وكيف يكون حتى يكون موقعا تصديقا يقارب اليقين؛ وكيف يكون بحيث يظن به أنه على إحدى الصورتين، ولا يكون كذلك، بل يكون باطلا فاسدا؛ وكيف يكون حتى يوقع عليه ظن وميل نفس وقناعة من غير تصديق جزم؛ وكيف يكون القول حتى يؤثر في النفس ما يؤثره التصديق والتكذيب من إقدام وامتناع، وانبساط وانقباض، لا من حيث يوقع تصديقا، بل من حيث يخيل، فكثير من الخيالات يفعل في هذا الباب فعل التصديق؛ فإنك إذا قلت للعسل إنه مرة مقيئة، نفرت الطبيعة عن تناوله مع تكذيب لذلك ألبتة، كما تنفر لو كان هناك تصديق، أو شبيه به قريب منه، وما الفصول بينها ؟ ولم كانت كذلك ؟ وهذه الصناعة يحتاج متعلمها القاصد فيها قصد هذين الغرضين إلى مقدمات منها يتوصل إلى معرفة الغرضين؛ وهذه الصتاعة هي المنطق. وقد يتفق للإنسان أن ينبعث في غريزته حد موقع للتصور، وحجة موقعة للتصديق، إلا أن ذلك يكون شيئا غير صناعي، ولا يؤمن غلطه في غيره؛ فإنه لو كانت الغريزة والقريحة في ذلك مما يكفينا طلب الصناعة، كما في كثير من الأمور، لكان لا يعرض من الاختلاف والتناقض في المذاهب ما عرض، ولكان الإنسان الواحد لا يناقض نفسه وقتا بعد وقت إذا اعتمد قريحته؛ بل الفطرة الإنسانية غيركافية في ذلك ما لم تكتسب الصناعة، كما أنها غير كافية في كثير من الأعمال الأخر، وإن كان يقع له في بعضها إصابة كرمية من غير رام. وليس أيضا إذا حصلت له الصناعة بالمبلغ الذى للإنسان أن يحصل له منها كانت كافية من كل وجه، حتى لا يغلط ألبتة؛ إذ الصناعة قد يذهب عنها ويقع العدول عن استعمالها في كثير من الأحوال، لا أن الصناعة في نفسها غير ضابطة، وغير صادة عن الغلط، لكنه يعرض هناك أمور: أحدها من جهة أن يكون الصانع لم يستوف الصناعة بكمالها؛ والثاني أن يكون قد استوفاها، لكنه في بعض المواضع أهملها، واكتفى بالقريحة؛ والثالث أنه قد يعرض له كثيرا أن يعجز عن استعمالها، أو يذهب عنها. على أنه وإن كان كذلك، فإن صاحب العلم، إذا كان صاحب الصناعة واستعملها، لم يكن ما يقع له من السهو مثل ما يقع لعادمها؛ ومع ذلك فإنه إذا عاود فعلا من أفعال صناعته مرارا كثيرا تمكن من تدارك إهمال، إن كان وقع منه فيه؛ لأن صاحب الصناعة، إذا أفسد عمله مرة أو مرارا، تمكن من الاستصلاح، إلا أن يكون متناهيا في البلادة؛ فإذا كان كذلك فلا يقع له السهو في مهمات صناعته التي تعينه المعاودة فيها، وإن وقع له سهو في نوافلها . وللإنسان في معتقداته أمور مهمة جدا، وأمور تليها في الاهتمام. فصاحب صناعة المنطق يتأتى له أن يجتهد في تأكيد الأمر في تلك المهمات بمراجعات عرض عمله على قانونه. والمراجعات الصناعية فقد يبلغ بها أمان من الغلط، كمن يجمع تفاصيل حساب واحد مرارا للاستظهار، فتزول عنه الشبهة في عقد الجملة.

فهذه الصناعة لابد منها في استكمال الإنسان الذي لم يؤيد بخاصية تكفيه الكسب. ونسبة هذه الصناعة إلى الروية الباطنة التي تسمى النطق الداخلي، كنسبة النحو إلى العبارة الظاهرة التي تسمى النطق الخارجي، وكنسبة العروض إلى الشعر؛ لكن العروض ليس ينفع كثيرا في قرض الشعر، بل الذوق السليم يغنى عنه، والنحو العربي قد تغنى عنه أيضا الفطرة البدوية، وأما هذه الصناعة فلا غنى عنها للإنسان المكتسب للعلم بالنظر والروية، إلا أن يكون إنسانا مؤيدا من عند الله،فتكون نسبته إلى المروين نسبة البدوي الى المتعربين.

الفصل الرابع فصل في موضوع المنطق

صفحہ 5

ليس يمكن أن ينتقل الذهن من معنى واحد مفرد إلى تصديق شئ؛ فإن ذلك المعنى ليس حكم وجوده وعدمه حكما واحدا في إيقاع ذلك التصديق؛ فإنه إن كان التصديق يقع، سواء فرض المعنى موجودا أو معدوما، فليس للمعنى مدخل في إيقاع التصديق بوجه؛ لأن موقع التصديق هو علة التصديق، وليس يجوز أن يكون شئ علة لشئ في حالتى عدمه ووجوده. فإذا لم يقع بالمفرد كفاية من غير تحصيل وجوده، أو عدمه في ذاته، أو في حاله، لم يكن مؤديا إلى التصديق بغيره؛ وإذا قرنت بالمعنى وجودا أو عدما فقد أضفت إليه معنى آخر. وأما التصور فإنه كثيرا ما يقع بمعنى مفرد، وذلك كما سيتضح لك في موضعه، وذلك في قليل من الأشياء، ومع ذلك فهو في أكثر الأمر ناقص ردئ، بل الموقع للتصور في أكثر الأشياء معان مؤلفة، وكل تأليف فإنما يؤلف من أمور كثيرة، وكل أشياء كثيرة ففيها أشياء واحدة، ففي كل تأليف أشياء واحدة. والواحد في كل مركب هو الذي يسمى بسيطا، ولما كان الشئ المؤلف من عدة أشياء يستحيل أن تعرف طبيعته مع الجهل ببسائطه، فبالحرى أن يكون العلم بالمفردات قبل العلم بالمؤلفات. والعلم بالمفردات يكون على وجهين: لأنه إما أن يكون علما بها، من حيث هي مستعدة لأن يؤلف منها التأليف المذكور، وإما أن يكون علما بها، من حيث هى طبائع وأمور يعرض لها ذلك المعنى. ومثال هذا أن البيت الذي يؤلف من خشب وغيره يحتاج مؤلفه إلى أن يعرف بسائط البيت من الخشب واللبن والطين؛ لكن للخشب واللبن والطين أحوالا بسببها تصلح للبيت وللتأليف، وأحوالا أخرى خارجة من ذلك. فأما أن الخشب هو من جوهر فيه نفس نباتية، وأن طبيعته حارة أو باردة، أو أن قياسه من الموجودات قياس كذا، فهذا لايحتاج إليه باني البيت أن يعلمه، وأما أن الخشب صلب ورخو، وصحيح ومتسوس، وغير ذلك، فإنه مما يحتاج باني البيت إلى أن يعلمه. وكذلك صناعة المنطق فإنها ليست تنظر في مفردات هذه الأمور، من حيث هى على أحد نحوى الوجود الذي في الأعيان والذي في الأذهان، ولا أيضا في ماهيات الأشياء، من حيث هى ماهيات، بل من حيث هى محمولات وموضوعات وكليات وجزئيات، وغير ذلك مما إنما يعرض لهذه المعانى من جهة ما قلناه فيما سلف.

وأما النظر في الألفاظ فهو أمر تدعو إليه الضرورة، وليس للمنطقى - من حيث هو منطقى - شغل أول بالألفاظ إلا من جهة المخاطبة والمحاورة. ولو أمكن أن يتعلم المنطق بفكرة ساذجة، إنما تلحظ فيها المعاني وحدها، لكان ذلك كافيا، ولو أمكن أن يتطلع المحاور فيه على ما في نفسه بحيلة أخرى، لكان يغنى عن اللفظ ألبتة. ولكن لما كانت الضرورة تدعو إلى استعمال الألفاظ، وخصوصا ومن المتعذر على الروية أن ترتب المعانى من غير أن تتخيل معها ألفاظها، بل تكاد تكون الروية مناجاة من الإنسان ذهنه بألفاظ متخيلة، لزم أن تكون للألفاظ أحوال مختلفة تختلف لأجلها أحوال ما يطابقها في النفس من المعانى حتى يصير لها أحكام لولا الألفاظ لم تكن، فاضطرت صناعة المنطق إلى أن يصير بعض أجزائها نظرا في احوال الألفاظ؛ ولولا ما قلناه لما احتاجت أيضا إلى أن يكون لها هذا الجزء. ومع هذه الضرورة، فأن الكلام على الألفاظ المطابقة لمعانيها كالكلام على معانيها، إلا أن وضع الألفاظ أحسن عملا.

وأما فيما سوى ذلك، فلا خير في قول من يقول إن المنطق موضوعه النظر في الألفاظ، من حيث تدل على المعانى، وإن المنطقى إنما صناعته أن يتكلم على الألفاظ، من حيث تدل على المعانى؛ بل يجب أن يتصور أن الامر على النحو الذي ذكرناه. وإنما تبلد في هذا من تبلد، وتشوش من تشوش، بسبب أنهم لم يحصلوا بالحقيقة موضوع المنطق، والصنف من الموجودات الذى يختص به، إذ وجدوا الموجود على نحوين: وجود الأشياء من خارج، ووجودها في الذهن، فجعلوا النظر في الوجود الذي من خارج لصناعة أو صناعات فلسفية، والنظر في الوجود الذى في الذهن وأنه كيف يتصور فيه لصناعة أو جزء صناعة، ولم يفصلوا فيعلموا أن الأمور التي في الذهن إما أمور تصورت في الذهن مستفادة من خارج ، وإما أمور تعرض لها، من حيث هي في الذهن لا يحاذى بها أمر من خارج. فتكون معرفة هذين الأمرين لصناعة، ثم يصير أحد هذين الامرين موضوعا لصناعة المنطق من جهة عرض يعرض له. وأما أى هذين الأمرين ذلك، فهو القسم الثاني، وأما أى عارض يعرض، فهو أنه يصير موصلا إلى أن تحصل في النفس صورة أخرى عقلية لم تكن، أو نافعا في ذلك الوصول، أو ما يعاوق ذلك الوصول.

فلما لم يتميز لهؤلاء بالحقيقة موضوع صناعة المنطق، ولا الجهة التي بها هى موضوعه، تتعتعوا وتبلدوا، وأنت ستعلم بعد هذا، بوجه أشد شرحا، أن لكل صناعة نظرية موضوعا، وأنها إنما تبحث عن أعراضه وأحواله، وتعلم أن النظر في ذات الموضوع قد يكون في صناعة، والنظر في عوارضه يكون من صناعة أخرى. فهكذا يجب أن تعلم من حال المنطق.

الفصل الخامس في تعريف اللفظ المفرد والمؤلف وتعريف الكلي والجزئي، والذاتي والعرضي، والذي يقال في جواب ما هو والذى لا يقال

صفحہ 6

وإذ لا بد لنا في التعليم والتعلم من الألفاظ، فإنا نقول: إن اللفظ إما مفرد وإما مركب. والمركب هو الذى قد يوجد له جزء يدل على معنى هو جزء من المعنى المقصود بالجملة دلالة بالذات، مثل قولنا: الإنسان وكاتب، من قولنا: الإنسان كاتب؛ فإن لفظة الإنسان منه تدل على معنى، ولفظة كاتب أيضا تدل على معنى، وكل واحد منهما جزء قولنا: الإنسان كاتب، ومعناه جزء المعنى المقصود من قولنا: الإنسان كاتب، دلالة مقصودة في اللفظ، ليس كما نقول: حيوان، فيظن أن الحى منه مثلا دال إما على جملة المعنى، وإما على بعض منه، لو كان من غير أن كان يقصد في إطلاق لفظة الحيوان أن يدل الحي منه تلك الدلالة.

صفحہ 7

وأما المفرد فهو الذى لا يدل جزء منه على جزء من معنى الكل المقصود به دلالة بالذات، مثل قولنا " الإنسان " ، فإن " الإن " و " السان " لا يدلان على جزأين من معنى الإنسان، منهما يأتلف معنى الإنسان. ولا يلتفت في هذه الصناعة إلى التركيب الذى يكون بحسب المسموع، إذا كان لا يدل جزء منه على جزء من المعنى، كقولنا: عبد شمس، إذا أريد به اسم لقب ولم يرد عبد للشمس. وهذا وأمثاله لا يعد في الألفاظ المؤلفة، بل في المفردة. والموجود فى التعليم الأقدم من رسم الألفاظ المفردة أنها هى التى لا تدل أجزاؤها على شىء. واستنقص فريق من أهل النظر هذا الرسم، وأوجب أنه يجب أن يزاد فيه: أنها التى لا تدل أجزاؤها على شىء من معنى الكل، إذ قد تدل أجزاء الألفاظ المفردة على معان، لكنها لا تكون أجزاء معاني الجملة. وأنا أرى أن هذا الاستنقاص من مستنقصه سهو، وأن هذه الزيادة غير محتاج إليها للتتميم بل للتفهيم. وذلك أن اللفظ بنفسه لا يدل ألبتة، ولولا ذلك لكان لكل لفظ حق من المعنى لا يجاوزه، بل إنما يدل بإرادة اللافظ؛ فكما أن اللافظ يطلقه دالا على معنى، كالعين على ينبوع الماء، فيكون ذلك دلالته، ثم يطلقه دالا على معنى اخر ، كالعين على الدينار، فيكون ذلك دلالته. كذلك إذا أخلاه في إطلاقه عن الدلالة بقى غير دال، وعند كثير من أهل النظر غير لفظ فإن الحرف والصوت - فيما أظن - لا يكون، بحسب التعارف عند كثير من المنطقيين، لفظا، أو يشتمل على دلالة. وإذا كان ذلك كذلك، فالمتكلم باللفظ المفرد لا يريد أن يدل بجزئه على جزء من معنى الكل، ولا أيضا يريد أن يدل بجزئه على معنى اخر من شأنه أن يدل به عليه، وقد انعقد الاصطلاح على ذلك. فلا يكون جزؤه ألبتة دالا على شىء - حين هو جزؤه - بالفعل، اللهم إلا بالقوة، حين نجد الإضافة المشار إليها، وهي مقارنة إرادة القائل دلالة به. وبالجملة فإنه إن دل، فإنما يدل، لا حين ما يكون جزءا من اللفظ المفرد، بل إذا كان لفظا قائما بنفسه؛ فأما وهو جزء فلا يدل على معنى ألبتة. واللفظ إما مفرد وإما مركب، وقد علم أن النظر فى المفرد قبل النظر في المركب. ثم اللفظ المفرد إما أن يكون معناه الواحد الذى يدل عليه لا يمتنع في الذهن، من حيث تصوره، اشتراك الكثرة فيه على السوية، بأن يقال لكل واحد منهم إنه هو، اشتراكا على درجة واحدة، مثل قولنا: الإنسان؛ فإن له معنى في النفس، وذلك المعنى مطابق لزيد ولعمرو ولخالد على وجه واحد؛ لأن كل واحد منهم إنسان. ولفظة الكرة المحيطة بذى عشرين قاعدة مثلثات، بل لفظ الشمس والقمر، وغير ذلك، كل منها يدل على معنى لا يمنع تصوره فى الذهن من اشتراك كثرة فيه، وإن لم يوجد مثلا بالفعل، كالكرة المذكورة، أو كان يمتنع ذلك بسبب خارج عن مفهوم اللفظ نفسه كالشمس. وإما أن يكون معناه بحيث يمتنع في الذهن إيقاع الشركة فيه، أعنى في المحصل الواحد المقصود به، كقولنا زيد؛ فإن لفظ زيد، وإن كان قد يشترك فيه كثيرون، فإنما يشتركون من حيث المسموع؛ وأما معناه الواحد فيستحيل أن يجعل واحد منه مشتركا فيه؛ فإن الواحد من معانيه هو ذات المشار إليه، وذات هذا المشار إليه يمتنع فى الذهن أن يجعل لغيره، اللهم إلا أن لا يراد بزيد ألبتة ذاته، بل صفة من صفاته المشترك فيها. وهذا القسم، وإن لم تمتنع الشركة في مسموعه، فقد يمتنع أن يوجد فى المعنى الواحد من المدلول يه عليه شركة. فالقسم الأول يسمى كليا، والثانى يسمى جزئيا. وأنت تعلم أن من الألفاظ ما هو على سبيل القسم الأول، ومن المعانى ما هو على سبيل معنى القسم الأول، وهو المعنى الذى المفهوم منه فى النفس لا تمتنع نسبته إلى أشياء كثيرة تطابقها نسبة متشاكلة. ولا عليك - من حيث أنت منطقى - أنه كيف تكون هذه النسبة، وهل لهذا المعنى - من حيث هو واحد مشترك فيه - وجود في ذوات الأمور التى جعلت لها شركة فيه؛ وبالجملة وجود مفارق وخارج غير الذى في ذهنك أو كيف حصوله في الذهن؛ فإن النظر في هذه لصناعة أخرى أو لصناعتين. فقد علمت أن اللفظ إما أن يكون مفردا، وإما أن يكون كليا، وإما أن يكون جزئيا. وقد علمت أنا أوجبنا تأخير النظر في المركب.

واعلم أيضا أنا لا نشتغل بالنظر فى الألفاظ الجزئية ومعانيها، فإنها غير متناهية فتحصر، ولا - لو كانت متناهية - كان علمنا بها - من حيث هى جزئية - يفيدنا كمالا حكميا، أو يبلغنا غاية حكمية، كما تعلم هذا فى موضع العلم به، بل الذى يهمنا النظر في مثله، هو معرفة اللفظ الكلى.

وأنت تعلم أن اللفظ الكلى إنما يصير كليا، بأن له نسبة ما، إما بالوجود، وإما بصحة التةهم، إلى جزئيات يحمل عليها.

صفحہ 8

والحمل على وجهين: حمل مواطأة، كقولك: زيد إنسان؛ فإن الإنسان محمول على زيد بالحقيقة والمواطأة؛ وحمل اشتقاق، كحال البياض بالقياس إلى الإنسان؛ فإنه يقال: إن الإنسان أبيض أو ذو بياض، ولا يقال: إنه بياض. وإن اتفق أن قيل: جسم أبيض، ولون أبيض، فلا يحمل حمل المحمول على الموضوع؛ وإنما غرضنا ها هنا مما يحمل هو ما كان على سبيل المواطأة. فلنذكر أقسام الكلى الذى إنما ينسب إلى جزئيات مواطأة عليها، ةيعطيها الاسم والحد، لكنه قد تضطرنا إصابتنا لبعض الأغراض أن لا نسلك المعتاد من الطرق في قسمة هذه الألفاظ فى أول الأمر، يل نعود إليه ثانيا. فنقول: إن لكل شىء ماهية هو بها ما هو، وهى حقيقته، بل هى ذاته. وذات كل شىء واحد ربما كان معنى واحدا مطلقا ليس يصير هو ما هو بمعان كثيرة، إذا التأمت يحصل منها ذات للشىء واحدة. وقلما تجد لهذا من الظاهرات مثالا، فيجب أن يسلم وجوده. وربما كان واحدا ليس بمطلق، بل تلتئم حقيقة وجوده من أمور ومعان إذا التأمت حصل منها ماهية الشىء، مثال ذلك الإنسان، فإنه يحتاج أن يكون جوهرا، ويكون له امتداد في أبعاد تفرض فيه طولا وعرضا وعمقا، ةأن يكون مع ذلك ذا نفس، وأن تكون نفسه نفسا يغتذى بها ويحس ويتحرك بالإرادة، ومع ذلك يكون بحيث يصلح أن يتفهم المعقولات، ويتعلم صناعات ويعلمها - إن لم يكن عائق من خارج - لا من جملة الإنسانية؛ فإذا التأم جميع هذا حصل من جملتها ذات واحدة هى ذات الإنسان. ثم تخالطه معان وأسباب أخرى، يتحصل بها واحد واحد من الأشخاص الإنسانية، ويتميز بها شخص، مثل أن يكون هذا قصيرا وذاك طويلا، وهذا أبيض وذاك أسود. ولا يكون شىء من هذه بحيث لو لم يكن موجودا لذات الشخص، وكان بدله غيره، لزم منه أن يفسد لأجله؛ بل هذه أمور تتبع وتلزم. وإ نما تكون حقيقة وجوده بالإنسانية، فتكون ماهية كل شخص هى بإنسانيته، لكن إنيته الشخصية تتحصل من كيفية وكمية وغير ذلك. وقد يكون أيضا له من الأوصاف أوصاف أخرى غير الإنسانية، يشترك فيها مع الإنسانية، بل تكون بالحقيقة أوصافا للإنسان العام مثل كونه ناطقا، أى ذا نفس ناطقة، ومثل كونه ضاحكا بالطبع. لكن كونه ناطقا أمر هو أحد الأمور التى، لما التأمت، اجتمع من جملتها الإنسان، وكونه ضاحكا بالطبع هو أمر، لما التأمت الإنسانية بما التأمت منه، لم يكن بد من عروضه لازما؛ فإن الشىء إذا صار إنسانا بمقارنة النفس الناطقة لمادته، أعرض للتعجب الموجب في مادته هيئة الضحك، كما أعرض لأمور أخرى: من الخجل والبكاء والحسد والاستعداد للكتابة وقبول العلم، ليس واحد منها لما حصل، أعرض الشىء لحصول النفس الناطقة له، فيكون حصول النفس الناطقة إذن سابقا لها، ويتم به حصول الإنسانية؛ وتكون هذه لوازم بعدها، إذا استثبتت الإنسانية لم يكن بد منها.

صفحہ 9

فقد لاح لك من هذا أن ها هنا ذاتا حقيقية للشىء، وأن له أوصافا بعضها تلتئم منه ومن غيره حقيقة الشىء، وبعضها عوارض لا تلزم ذاته لزوما في وجوده، وبعضها عوارض لازمة له في وجوده. فما كان من الألفاظ الكلية يدل على حقيقة ذات شىء أو أشياء، فذلك هو الدال على الماهية؛ وما لم يكن كذلك فلا يكون دالا على الماهية؛ فإن دل على الأمور التي لا بد من أن تكون متقدمة في الوجود على ذات الشىء، حتى يكون بالتئامها يحصل ذات الشىء، ولا يكون الواحد منها وحده ذات الشىء، ولا اللفظ الدال عليه يدل على حقيقة ذات الشىء بكمالها، بل على جزء منه؛ فذلك ينبغي أن يقال له اللفظ الذاتي الغير الدال على الماهية. وأما ما يدل على صفة هى خارجة عن الأمرين، لازمة كانت أو غير لازمة، فإنه يقال له لفظ عرضي، ولمعناه معنى عرضى. ثم ها هنا موضع نظر: أنه هل يجب أن يكون معنى اللفظ الذاتي مشتملا على معنى اللفظ الدال على الماهية اشتمال العام على الخاص أو لا يكون ؟ فإن قولنا: لفظ ذاتي، يدل على لفظ لمعناه نسبة إلى ذات الشىء، ومعنى ذات الشىء لا يكون منسوبا إلى ذات الشىء، إنما ينسب إلى الشىء ما ليس هو. فلهذا بالحرى أن يظن أن لفظ الذاتى إنما الأولى به أن يشتمل على المعاني التي تقوم الماهية، ولا يكون اللفظ الدال على الماهية ذاتيا ، فلا يكون الإنسان ذاتيا للإنسان، لكن الحيوان والناطق يكونا ن ذاتيين للإنسان. فإن لم يجعل الإنسان ذاتيا للإنسان، بما هو إنسان، بل لشخص شخص، لم يخل إما أن تكون نسبته بالذاتية إلى حقيقة ماهية الشخص، وذلك هو الإنسان أيضا؛ وإما أن تكون نسبته بها إلى الجملة التى بها يتشخص، فيكون ليس هو بكماله، بل هو جزء مما هو منه، من حيث هو جملة. فحينئذ يعرض أن لا يكون الحيوان الناطق والإنسان وما يجرى مجراها ذاتيا لشخص شخص فقط ، بل الأمور العرضية أيضا، مثل لونه، وكونه قصيرا، وكونه ابن فلان، وما يجرى هذا المجرى قد تكون ذاتية، لأنها أجزاء مقومة للجملة. فحينئذ لا يكون للإنسان ، من حيث هو ذاتى للشخص، إلا ما لهذه.

فهذه الأفكار تدعو إلى أن لا يكون الذاتي مشمتلا على المقول في جواب ما هو؛ لكن قولنا ذاتى، وإن كان بحسب قانون اللغة يدل على هذا المعنى النسبى، فإنه بحسب اصطلاح وقع بين المنطقيين يدل على معنى آخر. وذلك لأن اللفظ الكلى، إذا دل على معنى - نسبته إلى الجزئيات التى تعرض لمعناه نسبة يجب، إذا توهمت غير موجودة، أن لا يكون ذات ذلك الشىء من الجزئيات موجودا، لا أن ذات ذلك الشىء يجب أن يكون يرفع أولا، حتى يصح توهم رفع هذا، بل لأن رفع هذا موجب رفع ذلك الشىء، سواء كان لأن هذا المرفوع هو حقيقة ذاته، أو كان هذا المرفوع مما تحتاج إليه حقيقة ذاته ليتقوم - فإنه يقال له ذاتى. فإن لم يكن هكذا - وكان يصح في الوجود أو في التوهم أن يكون الشىء الموصوف به حاصلا مع رفعه، أو كان لا يصح في الوجود، ولكن ليس رفعه سبب رفعه، بل إنما لا يصح ذلك في الوجود لأن رفعه لا يصح إلا أن يكون ذلك، ارتفع أولا في نفسه، حتى يكون رفعه بالجملة ليس سبب رفعه - فهو عرضى . فأما المرتفع فى الوجود فكالقيام والقعود، وذلك مما يسرع رفعه، وكالشباب فإنه يبطؤ رفعه وكغضب الحليم فإنه يسهل إزالته، وكالخلق فإنه يصعب إزالته. وأما المرتفع في الوهم دون الوجود فكسواد الحبشي. وأما الذي لايرتفع، ولا يرفع رفع السبب، فككون الإنسان بطبعه معرضا للتعجب والضحك، وهو كونه ضحاكا بالطبع، فإنه لايجوز أن يرفع عن الإنسان في الوجود؛ فإن توهم مرفوعا، فإن الإنسانية تكون مرفوعة، لا أن رفع الأعراض بالطبع لهذا المعنى هو سبب رفع الإنسانية، بل لأنه لايتأتى أن يرفع، الإ أن تكون الإنسانية أولا مرفوعة، كما أنها ليست سببا لثبوت الإنسانية، بل الإنسانية سبب لثبوتها.

فقد بان اختلاف ما بين نسبة الحيوان والناطق والإنسان إلى الأشخاص، وبين نسبة الأعراض إليها؛ فإن النسبة الأولى إذا رفعتها، أوجب رفع الشخص؛ وأما النسبة الثانية فنفس رفعها لايوجب رفع الشخص، بل منها مايرتفع، ومنها ما لايجوز أن يرتفع أو يرتفع الشخص؛ وأما رفعها فلا يرفع الشخص ألبتة. وإذا كان الأمر على هذه الجهة، فالذاتى يشتمل على الدال على الماهية.

فقد اتضح لك أن اللفظ المفرد الكلى منه ذاتى يدل على الماهية، ومنه ذاتى لايدل على الماهية، ومنه عرضى.

الفصل السادس في تعقب ما قاله الناس في الذاتي والعرضي

صفحہ 10