المنطق
المنطق
إن الجهل المضاد للعلم - وهو الذي ليس إنما يعدم معه العلم فقط، بل أن يعتقد ويرى صورة مضادة لصورة العلم، كما يقع في الوجه الثاني من وجهي اللا علمي واللا هندسي - قلما يقع في التعاليم. وذلك لأن هذا الجهل إنما يقع لأسباب، وأظهرها أمران : أحدهما التباس مفهوم حدود القياس لاشتراك الاسم وخصوصا الأوسط، فإن أكثر انخداع يقع بسببه إذا كان اللفظ واحدا في المقدمتين والمعنى مختلفا. والثاني حال التأليف وشكل القول إذا لم يكن منتجا وأشبه المنتج مثل الموجبتين في الشكل الثاني وما أشبه ذلك.
وأما القسم الأول فإنه مما لا يقع في التعليمات لأن ألفاظ معاني الهندسيات معلومة المعاني بالتحصيل فلا توهم غير المعنى المقصود له. بل لكل لفظ منها معنى مفهوم بحسب الغرض أو بحسب ما سبق من التحديد. ثم معاني تلك الألفاظ قريبة من الخيال، فكما يفهم في العقل للفظ منها معنى، كذلك يقوم له في الوهم خيال، فيثبت خياله حقيقة ذلك المعنى ويحفظه ولا يدع الذهن يزيغ عنه. فحينئذ يكون الأوسط مضاعفا أي واحدا بعينه يؤخذ مرتين لشيئين معلومتين فينتج ضرورة. وأما في العوم الأخرى - وفي الجدل خصوصا - فلا تكون هذه المعاون، بل تكون ألفاظها في أكثر الأمر مشتركة، والمعنى العقلي باطن غائر في النف غير معان بخيال ملائم لذلك المعنى يثبته ويحفظه في الذهن. بل ربما كان الخيال اللائح منه في الذهن مناسبا لمعنى والغرض معنى آخر، ويزيغ الذهن عن الغرض إلى الخيال.
والخيال فيما سوى التعليمات في أكثر الأمر مضل، وفي التعليمات هاد مرشد. ولذلك ما صارت المسائل الرياضية يصعب تعليمها إلا بأن تشكل أشكالا محسوسة معلمة بحروف، ليكون ذلك معونة للخيال وتقوية، إذ كان لا يخاف من ذلك فيها في العلوم الأخرى.
وأما العلوم الأخرى فإذا لم يكن فيها معونة من قبل الخيال وكان اللفظ مشتركا وفي تفصيل معانيه صعوبة، زاغ الذهن. ويخص الجدل أن وحدانية معنى اللفظ المستعمل فيه قد تكون بحبس الشهرة لا بحسب الحقيقة. فربما كان بحسب الحقيقة مشتركا فه فيكون هذا الالتباس اللفظي في الجدل أكثر - مثل استعمال لفظة الدور في الجدل، ولفظة الدائرة : فإن لفظة الدائرة عند المهندس محدودة المعنى وعند الجدلي ملتبسة ما لم ترسم. فيكاد يقع عنده أن الدائرة المشكلة والشعر الدائر الأجزاء بعضه على بعض، والبيان الدوري، مفهوم لفظة الدائرة في جميعها قريب من مفهوم اللفظ من المتواطئ، فيشكل صدق قول القائل كل دائرة شكل. وربما ظن أنه ليس كل دائرة بشكل، فيكون مثل هذا سببا للغلط عظيما إلا أن يرسم ويميز ذلك.
ولما كان وقوع اسم الدائرة أو ما أشبه الدائرة على أمثال هذه المعاني ليس واحدا في الحد، وجب أن يكون قولنا " كل دائرة كذا " مقتصرا في الدلالة على بعض هذه المعاني دون البعض إن أريد أن تكون مقدمة واحدة. ووجب ألا يناقض قول القائل، جدليا كان يستقرى أو غير جدلي، " إن كان دائرة شكل " كأنه يتخيل الدائرة بحسب المشهور معنى واحدا. فلا تكون عنده بحسب المشهور مشتركا يناقضه بأن يقال له إن الدائرة الشعرية ليست بشكل : لأن المناقضة مقدمة بنفسها، ومناقضة بالقياس إلى غيرها. وما لم تصر أولا مقدمة في نفسها لم تصلح أن تصير مناقضة لغيرها.
ولا تكون الكلمة مقدمة وليس معنى الدائرة فيها بمحصل. فإذا حصل معناها وحصل معنى قول القائل " كل دائرة شكل " لم تكن هذه مناقضة لها. بل إنما يظن أنها مناقضة على أحد الوجهين اللذين بهما لا تكون في الحقيقة مقدمة : إذ كان إما أن تصير هذه المقدمة غير مقدمة للجهل الكائن بمعنى موضوعها الذي هو الدائرة، بل لا يفهم لموضوعها معنى : إما أن تصير غير مقدمة بأن تكون قد أخذ موضوعها - وهو الدائرة - في قولهم " كل دائرة شكل " على معنى " كل ما يسمى دائرة " لا على معنى " كل ماله معنى الدائرة " . وكلا الأمرين يمنعان أن تكون هناك مناقضة : فإن المناقضة مقدمة صحيحة في أنها مقدمة، مقابلة لمقدمة صحيحة في أنها مقدمة. فما لم يتقرر المقدمة لم تتقرر مناقضة.
صفحہ 470