المنطق
المنطق
وهذه العلوم العامية الواجب قبولها تشترك العلوم فيها، لا على أنها ما فيه البيان - أي الموضوعات - أوله البيان وإياه نبين - وهي المائل - بل على أنها من الذي منه البيان. والجدل يستعملها من جهة أن كل أولى مشهور أيضا. والجدل أيضا يشارك كل علم في المسائل كما يشارك في المبادئ الواجب قبولها، وكما يشارك في الموضوعات، فإنه لا يختص بموضوع. لأن الجدل ليس بمحدود النظر في شيء من الوجود. وكل علم فإنه محدود النظر في الوجوه الثلاثة من الموضوعات والمبادئ والمسائل. وأما )105ب ( أن الجدل ليس محمود النظر في الموضوعات فإنه لا يقتصر على موضوع واحد يبحث عن أحواله، بل الجميع عنده سواء. والبرهان يقتصر عليه. وأما بيان أنه ليس بمحدود النظر في المسائل، فذلك من وجهين : أحدهما أنه لا يقتصر على المسائل الذاتية بالموضوع الذي يبحث عن أحواله في الوقت، بل في الغريبة أيضا : مثل أنه ليس ينظر هل الخط المستقيم إذا قام عليه خط كان كذا وكذا، بل هل هو أحسن من المستدير أو ليس، وهل علمه مضاد للمستدير أو ليس. والثاني لأنه قد يتفق أن ننصر الضدين والنقيضين معا بقياسين في وقتين كل واحد منهما جدلي على ما ستعرفه حيث نتكلم في الجدل : فتارة نقيس من المشهورات أن النفس لا تموت، وتارة نقيس منها أن النقس تموت. وأما بيان أنه ليس أيضا محدود النظر في المبادئ فذلك من وجهين : أحدهما أنه لا يأتي بالمبادئ الذاتية بالشيء، بل كيف اتفق. والثاني أنه يأخذ المبادئ الأولية والصادقة والمشهورة التي ليست بصادقة معا، وما يتسلمه من المخاطب. وقد يجعل كل واحد من المتقابلين مبدأ لقياسه - ذلك في وقت، وهذا في وقت على ما علمت. وأما البرهان فإنه محدود الموضوع، محدود المسألة التي يبينها وينصرها محدود المبادئ التي منها تبين. ويكاد أن يكون الحق هو انه ليس في العلوم مسألة عن طريق النقيض، وذلك أن السؤال النافع عنهما بالحقيقة هو أن يتكافأ تسليم الطرفين معا عند السائل، فأيهما كان، جاز، واستمر في عقد قياسه. والقائس المبرهن إذا سلم له الواحد المعين، النافع له في عقد قياسه، انتفع به. وإن سلم مقابله، سكت ولم يمكنه الاستمرار، فلا يكون لسؤاله حينئذ فائدة، إذ كان إنما ينتفع بالواحد فيجب أن يأخذه أخذا من غير مسألة.
ولكن قد يقال " مسألة علمية " على وجهين : أحدهما يقع في التعليم والتعلم - وهو أحد طرفي النقيض المعلوم أنه هو الحق، وأنه لا يتعداه المجيب أو المخاطب، وإنما يسأل للتقرير والتعديد لا على سبيل المسائل الجدلية. والثاني في المخاطبات الامتحانية التي تكون في العلوم ولا يبالي فيها بتسليم أي طرفي النقيض كان على ما ستعلمه.
والمسألة الامتحانية فإنها من وجه علمية ومن وجه ليست علمية : فإنها علمية من جهة أن مبادئها مناسبة. وليست علمية من جهة أن الغرض فيها ليس إثبات علم. فلذلك إذا حققت لم تكن مسألة علمية برهانية مطلقة، بل المسائل العلمية المطلقة محدودة. وليس كل سؤال هندسيا ولا طبيا ولا حسابيا ولا من علم من العلوم الأخر، بل المسألة الهندسية مثلا إنما هي إما عن مقدمة صحت وبانت بالطرق الهندسية، ويراد أن يبان بها غيرها فتكون عن مبدأ خاص بالمطلوب، وإما عن مبدأ عام للمسائل الهندسية خاص بالهندسة يتبين به المطالب الهندسية ولا يبين هو في الهندسة. وكذلك الحال في المسألة المنظرية : إما أن تكون منظرية خاصة تبين فيها، وإما أن تكون هندسية، وهي مبدأ لعلم المناظر فغن مبادئه من الهندسة، فتكون مسائل هندسية هي مبادئ مناظرية، ومن وجه مسائل هندسية. وأما أنه كيف يكون ذلك حتى تكون مطالب هندسية هي أيضا مسائل هندسية، فلذلك بوجهين مختلفين. أما المبادئ فإنها مسائل هندسية لأنها في نفسها مسائل، وهي هندسية لأنها نافعة في الهندسة، فتكون المسائل النافعة في الهندسة مسائل هندسية. وأما المطالب فهي مسائل هندسية بمعنى أنها مسائل هي من الهندسة.
وقد فهم هذا الموضع من التعليم الأول على وجه آخر، وهو أن تكون المسألة من وجه هندسية على أنها مبدأ مثلا للمناظر. فهي من المناظر وليست مناظرية بل هندسية. وتكون المسألة من وجهآخر هندسية إذا كانت هندسية صرفة غير مضافة إلى علم آخر.
صفحہ 468