410

والبرهان إنما لابد من ان يكون فيه قول كلى ليكون شاملا للكثرة بأن يعطى اسمه وحده للكثرة الجزئية. ويمكن أن يجعل الكلى فيه المحكوم عليه بالحكم الكلى حدا أوسط موجبا على الكثرة بالاسم والحد. فما حكم عليه حكم على الكثرة. وأما الصور فإنها إن كانت موجودة فلا يجب أن يكون الحكم عليها حكما على الكثرة من الجزئيات الشخصية، ولا يمكن أن تكون حدودا وسطى في إثبات شيء على الكثرة من الجزئيات الشخصية، وذلك لأن المثل وإن أنزلنا أنها تعطى الكثرة أسماءها، فلا يمكننا أن نقول إنها تعطيها حدودها : لأنه ليس شيء من الجزئيات صورة عقلية مفارقة أبدية - وهذا هو الحد الجامع للصور المفارقة. وكيف يمكن أن تكون طبيعة الإنسان المحسوس تحمل عليها طبيعة الإنسان المثالي، وهذا الإنسان حيوان ناطق مائت، وذلك لا حيوان ولا ناطق إلا باشتراك الاسم، ولا مائت. وكيف يقال لشيء من هذه إنها تلك كما يقال إنها حيوان؟ فإذن الصور المثلية لا تعطى أسماؤها وحدودها معا للكثرة والجزئيات، فلا تصلح أن تتخذ حدودا وسطى في برهان على الجزئيات، وإن كان ذلك البرهان برهانا بالعرض. وكذلك لا يجوز أن تكون حدودا كبرى. وأما أنها ليست حدودا صغرى فلأن الحدود الصغرى إما أن تكون أعيان الموجودات المبحوث عن أحوالها، وإما أمورا الحكم عليها حكم بوجه ما على أعيان الموجودات. وليست أعيان الموجودات الطبيعية ولا الرياضية، ولا هي أيضا أمورا الحكم عليها حكم بوجه ما على أعيان تلك الموجودات لأنها حينئذ تكون حدودا وسطى، وقد بينا أنها لا تكون حدودا وسطى. ولا هي أيضا الموضوعات الأولية لهذه العلوم حتى تكون إنما تطلب أعراضها الذاتية. وذلك لأنا أيضا إنما نطلب أعراضا ذاتية لأمور هي إما أعيان، وإما الحكم عليها كالحكم على الأعيان. وليست المثل على أحد الحكمين. فليس الصور والمثل المفارقة إذن داخلة في موضوعات البراهين ولا في مبادئها بوجه.

المقالة الثالثة من الفن الخامس

الفصل الأول في المبادئ والمسائل المناسبة وغير المناسبة وكيف تقع في العلوم

المبادئ الواجب قبولها وخصوصا المبدأ الذي منه تتشعب كلها : أعني قولنا " إن كل شيء إما تصدق عليه الموجبة وإما أن تصدق عليه السالبة " ليس يوضع في العلوم وضعا بالفعل إلا عند مخاطبة المغالطين والمناكدين، بل إنما يوضع فيها على ما قيل في التعليم الأول على وجوه ثلاثة. وجه يجب أن يعتبر في تكميل التصديق بالمقدمة الكبرى ليعتبر مثله في النتيجة، وذلك بان يعتقد أن الكبرى إن كانت موجبة فلا يجوز أن تصدق سالبة؛ أو كانت سالبة فلا يجوز أن تكون موجبة، لتكون النتيجة بهذه الحال. فهذا الاعتقاد يعتقد دائما وإن لم يلفظ به بالفعل : لأنه لم يعلم أنه إذ هو موجب فليس بسالب وإذ هو سالب فليس بموجب البتة، وأن السلب والإيجاب لا يجتمعان، أو أن كل شيء يصدق فيه أحدهما فلا يحتاج إلى التصريح به. وإنما تكون هذه القوة في نسبة الأوسط إلى الأكبر في الكبرى، أو الأصغر إلى الأكبر في النتيجة من غير عكس. فإنك إذا كنت قلت في الأكبر مثلا " فكل إنسان حيوان " أضمرت " وليس ليس بحيوان " وأنتجت أن " الكاتب حيوان " وأضمرت وليس ليس بحيوان.

وبالجملة ما جعل موضوعا لحكم محمول فليس موضوعا لمقابله.

وأما من جهة المحمول فليس يستمر هذا حتى يكون الحيوان في القياس محمولا على الإنسان وليس محمولا على ما ليس بإنسان، أو يكون الحيوان في النتيجة محمولا على الكاتب وليس محمولا على ما ليس بكاتب، فإن هذا لا يستقيم، لأن المحمول يجوز أن يحمل علة موضوعات يسلب بعضها عن بعض. ولا يجوز ن يوضع الموضوع لمحمولات يسلب بعضها عن بعض. فهذا وجه واحد.

والوجه الثاني كما يقال في الخلف إنه إن كان قولنا " إن أ ب " ليس صادقا، فقولنا " ليس أ ب " صادق، فيكون هذا المبدأ الذي نحن في ذكره مضمرا، وقوته قوة الكبرى، كأنه يقول بعد قوله ذلك " لأن كل شيء إما أن يصدق عليه الموجب أو السالب.

والوجه الثالث يخالف الوجهين جميعا، فإنه ليس يدخل بالقوة فيه هذا المبدأ على انه نافع في تكميل مقدمة كما في الأول، ولا في تكميل قياس كما في الثاني، بل بأن يخصص إما موضوعه وإما موضوعه ومحموله معا : كقولنا كل مقدار إما مباين وإما مشارك، فنأخذ فيه بدل الشيء شيئا ما خاصا بالصناعة - وهو المقدار - وبدل الموجب موجبا خاصا بالصناعة وهو المشارك، وبدل السالب سالبا ما خاصا بالصناعة وهو المباين : لأنك لا تحتاج أن تأخذ هذا المبدأ بحيث ينفع نفعا مشتركا في كل علم، بل بحيث ينفع في ذلك العلم خاصة فغن ذلك يكفيك.

صفحہ 467