والمؤاجرات والتبرعات، علم ضرورةً أنهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين.
والآثار في ذلك كثيرة منها:
أنَّ رسول الله بنى مسجده، والمسلمون بنوا المساجد على عهده وبعد موته، ولم يأمر أحداً أن يقول: وقفت هذا المسجد، ولا ما يشبه هذا اللفظ.
بل قال النبي ﷺ: ((من بنى مسجداً لله بنى الله له بيتاً في الجنة))(١)، فعلّق الحکم بنفس بنائه.
وفي الصحيحين: أنه ﷺ لمّا اشترى الجمل من عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: ((هو لك يا عبد الله بن عمر))(٢)، ولم يصدر من ابن عمر لفظ قبولٍ.
وكان ﷺ يهدي ويهدى له، فيكون قبض الهدية قبولها، ولمّا نحر البدنات قال: ((من شاء اقتطع))(٣)، مع إمكان قسمتها، فكان هذا إيجاباً، وكان الاقتطاع هو القبول.
وكان يُسأل فيعطي، أو يعطي من غير سؤالٍ، فيقبض المعطى، ويكون الإِعطاء هو الإِيجاب والأخذ هو القبول - في قضايا كثيرةٍ جدّاً - ولم يكن يأمر الآخذين بلفظٍ، ولا يلتزم أن يتلفظ لهم بصيغةٍ، كما في
(١) متفق عليه، انظر: الصحيح مع الفتح ٥٤٤/١، ومسلم مع شرح النووي ١٨/ ١١٣ - ١١٤.
(٢) متفق عليه، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٣٣٤/٤، ومسلم مع شرح النووي ٣٠/١١ _٣٦.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٣٥٠، وأبو داود ٣٦٩/٢ - ٣٧٠، وصحّحه في إرواء الغليل ١٩/٧.