409

وفي يوم الإثنين ثالث شهر ربيع الأول لما وصلت الجنود المؤيدية إلى طرف بلاد يافع طرحوا محطتهم في سفال جبل العر، عند بلد يقال لها: حصن جوهر ، فيها مزارع وآبار وجبل العر فوقها. وكانت طريقهم من الزهراء في وادي ضيق خرجوا منه إلى هذا المحل، وعرجوا عن طريق الحلقة بسبب الرصاص، فكان إلى يوم الجمعة سابع ربيع الأول وطلعوا جبل، العر لقصد الحرب والقتال حال توفر اجتماعهم ووصول غوائرهم. وقد كانوا بنوا المتارس القوية في عرض الجبل، فجروه من جميع طرقه ومداخله، وكانت تلك المتارس كالدوائر العالية فوق القامة، على جميع عرض جبل العر من حيث منه المدخل طول تلك العمارة قدر ميل. فحمل أول العسكر من حاشد وبكيل ومن معهم من المغورين إلى جهة تلك المتارس، فرموهم من داخله، فقتلوا منهم كثيرا من فوقهم ومن جوانبهم؛ لأنهم جعلوا متارسهم مخلوفة، مقابلة لبعضها بعضا معصورة؛ لأجل يكون الرمي من جهة المقابلة ومن جهة الدائرة بصفة محكمة. وكان من جملة المقتولين بيرق دار حق حسين بن المهدي. وكان الرمي من داخل يقتل لتظهرهم والذي من خارج لا يصيبون شيئا، بل الرصاص تقع إلى أحجار الدوائر، مما لا يقع تحتها طائل، فعند ذلك انهزموا أول هزيمة من تلك الحملة إلى متارس أصحابهم[64/ب] وفترت عند ذلك همة المتأخرين خلفهم، لما رأوه من القتل لأصحابهم، فبنوا متارس ضعيفة وكانوا يرامون بلا طائل؛ لأن الرصاص لا يقع إلا إلى الدائر، والذين من داخل يأخذون فيهم لمن أشرف منهم، ورسى الحرب بالمراماة إلى العصر وعلي في منزله ومكانه حتى تعبوا وجاعوا، بحيث أن بعضهم جلس تحت الحجارة، لعدم تحصيل الفائدة، وعند ذلك اختلف رأيهم كيف يكون المخرج إلى المحطة أو المساء؟ فلما عرف الرصاص ذلك قال: نجعل لهم ذمة أربعة أيام ويعودون إلى محطتهم، فأسعد إلى ذلك حسين بن أحمد بن الحسن، وهو المرجوع إليه في أمرهم. وقال: لا بأس، ولم يكن لهم الجميع معرفة كيف خدائع الحروب، وكيف يكون صفة الرجوع، فانحرفوا للعود آمنين مطمئنين ثقة بكلام الرصاص، وإذ يروا جميعا نازلين فما هو إلا أن رأوهم كذلك دفعت إليهم البنادق ضربة واحدة من كل جانب في ظهورهم، فسقط منها كثير، منهم الهالك في الحال ومنهم المصاب، ثم خرج سائر القبائل الذين ليس معهم البنادق في أعقابهم يضربون ويقتلون ويرجمون ويصيحون، فحصلت عند ذلك رجة عظيمة، وكل هرب على رأسه لا يلوي على أحد، وتفرقوا في الأعتاب والشعاب والطريق، والقتل في الآخر. وكان من جملة من رمي أحمد بن محمد [65/أ] لأنه كان آخر القوم والبنادق خلفه، وأصيب أحمد بن محمد، وقع فيه رصاصتان أحدهما هي القاتلة والأخرى في رجله دفعة واحدة عند ذلك، فحملوه أصحابه فوق بغلة إلى بعض الطريق وحسرت البغلة والقتل عمال في الناس، فطرحوه أصحابه عند مسجد صغير على الطريق لما حصرتهم القوم، ولم يسع أحد منهم إلى حمل له ولا دفع. وقتلوا الحاضرين عنده جميعا، فقتل من أصحابه من بقي حوله قدر سبعين نفرا من خلفه وقدامه وعنده، واحتزوا أكثر رؤوسهم، وكان من جملتهم أحمد بن محمد المذكور. واهتزم الناس إلى المحطة، ودخلوا حصن جوهر، وأظلم عليهم الليل وباتوا في أشر ليلة ممن قد فات ومن التعب ومن الخوف، وبنوا المتارس وحصنوا حصن جوهر بالحجار لما يخشوه منهم. وكان لما وقع هذا الحادث العظيم وقع في المحطة بعض انتهاب من أصحاب الهيثمي والجلاد، ومن بعض الأجناد، حال حمل الأثقال من المحطة إلى حصن جوهر الذي هو عندهم، فراح ما راح وحضر القتال أيضا والمدافعة. وانتهب الهيثمي قافلة صاحب كوكبان كان قد شدها، فساقها بأحمالها وفيها خزائنه ووطاقه، وزالت عقول بعض أهل السوق وهرب الهارب في الليل على رأسه إلى الزهراء فالهارب الأول نجا؛ لأن أهل البلاد ما قد كان تحققوا القضية[65/ب]، والذي تأخر قتل في الطريق وانتهبوه، خصوصا في بلاد قيفة، فإنهم قتلوا كثيرا من الهاربين ونهبوهم، وكان أعيان المقتولين مع أحمد بن محمد: الشيخ محمد فارع كاتب أحمد بن محمد ومن بيده دفتر العسكر، والشيخ علي دغيش شيخ بني حشيش من بني الحارث، والشيخ عبد الله بن سعيد العنبري شيخ الإسماعيلية في بلاد حراز، والصباحي من مشائخ شمات وجماعة من سادة غربان، واختلف الناس في عددهم فمن المقل ومن المكثر؛ لأنهم ما عرفوا بحقيقتهم، فمن قائل: أن جملتهم سبعمائة في الحرب والطرق، ومن قائل: أربعمائة، ومن قائل: ثلاثمائة، وكل منهم يخبر على المعرفة، وأكثرهم لا يعرف؛ لأن منهم المغورين ليسوا في دفتر، والقتل الذي كان في أول الحملة منهم قبل البيارق من أشمح والغرب وأهل بعيدان، ولعل جملتهم يكونوا إلى نحو ثلاثمائة ومائتين مصاب ومقتول حال الحرب وفي الطرقات، من باب الظن والجمع بين الروايات، والله أعلم.

Page 724