Bahjat al-zaman
بهجة الزمن
[1/ب] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
لما تم الجزء الأول من البهجة،ذيل تاريخ اليمن، وكان ذلك اتفاق دور كامل لثلاثين سنة، دخل الدور الذي بعده، فكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
Page 294
دخلت سنة إحدى وثمانين وألف
كان استهلالها بالثلاثاء بالحساب، وبالرؤية الأربعاء، والشمس بالجوزاء في القيظ، وكان دخولها مباركا بالثمار، وتهون الأسعار، من بعد مضي الشدة الواقعة في هذه الأقطار، ثم حلها الله تعالى وذهب ما كان وسار، وإن بقى منه بواقي وتكرار.
Page 295
واتفق غرة هذه السنة بشهر محرم منها، خروج طائفة الفرنج الملاعين، بعد قضاياهم مع العماني في هذه الأحايين، كما سبق ذكره، فلما فرغوا عن حربهم له، وهزيمتهم إياه إلى أرضه غفل عنهم، وتدير ببندر مسكت ، وهدأت فورته وقتاله لهم وسكت، كان منهم هذا الخروج إلى بندر المخا، والقصد لبابه من غير خفا، عقب دخول البضاعة الهندية على قلتها إليه[2/أ]، وشروع البيع والشراء فيه. وكان قد ظفروا في بابه، قبل الاتصال بجنابه، بثلاثة أغربة أحدها: خرج من بندر عدن إلى المخا لأحمد بن الحسن بحرا، وفيه دراهم وهدايا، والآخران: من عدن وجهته، فانتهبها الفرنج وحازوه، واستولوا عليه وقبضوه، والبعض منه حرقوه واستهلكوه، فلما كان الأمر كذلك، واتفق هذا هنالك، أمر صاحب المخا يومئذ الحسن بن المطهر الجرموزي بالمصانعة للفرنج والخطاب، وبذل الضيافة وتسكين الحالة حتى يتصل إليه جنود الغارة، والتحسس لأخبارهم وكثرتهم وقلتهم وعدتهم وحقيقة مقصدهم، فجاؤوه الرسول بالخبر عنهم، والسبب الحامل لهم فقالوا: موجب الوصول ما جرى مع أصحابهم العام الأول في باب المخا من القتال، وما راح عليهم من المال من أصحاب العماني، وعدم دفع صاحب المخا لذلك الفعل الصادر والجاري، وأنه كان به راضيا[2/ب] وعليه معينا، فبذل السيد الحسن لهم عوض ما راح مالا، وقال: ليس له فيه سعاية ولا قصدا، فأبوا إلا القتال، والاهتمام بالدخول إلى البندر والإحتمال، فأخذ منهم الصلح قدر ثمانية أيام عشرة أيام كل ذلك منه للإنتظار لوصول الغارات ، مما يقرب إليه من الجهات، فوصلت الغارات من زبيد ومن موزع ومن جحاف بعد أن كان قد انجفل أكثر أهل المخا، عنه بأموالهم، ومنهم من دفنها في التراب، خشية من الذهاب وسكن السيد الحسن من سكن من أهل المخا وقال: هذه الغارات واصلة فلا نخاف منهم إن شاء الله ولا نخشى. وكان جملتهم قدر سبع خشب ما بين برشة وغراب فيها الرجال، ومكاحل الرمي والمدافع والمال. والإمام لما وصل إليه خبرهم وقادمهم بادر إرسال ولده علي بن أمير المؤمنين في الحال بمن حضر عنده من عسكر الرجال جملتهم قدر خمسمائة، وساروا حيث الإنتقال، وكان وصول الغارات[3/أ] الأولة هي التي نفعت البندر من الصدمة، فلما كان سابع وصولهم أو سادسه قصد الفرنج المخا، وكان كل خشبة من خشبتهم فيها بيرق وعدة الحرب والضرب، ولعل جملتهم قدر ثلاثة آلاف؛ لأن الغراب تسع قدر مائتين وخمسين مع الأزواد والآلات، فأول عمل منهم قصدهم إلى قلعة فضلى التي مقابل للمخا من خارجه، وكان فيها جماعة من المسلمين رتبة فصابحهم جماعة من الفرنج خرجوا إلى الساحل فجرا، وركزوا السلاليم القنا، وصعدوا من أعلا، فهرب من القلعة بعضهم وثبت البعض لهم، فكان القتل في الدرب في المسلمين قتل منهم ثمانية، ووقع القتال بينهم، واشتد وحمي وطيسهم، ووصلت غارة المخا إليهم فانهزموا حينئذ، وقتل من الفرنج قدر عشرين نفسا حال الهزيمة ومن المسلمين الثمانية، وجنايات آخره. وكان جملة الخارجين من الفرنج إلى القلعة من الساحل قدر ثلاثمائة نفر وقيل أقل، وأكثرهم في البحر بغربانهم وبراشهم، وأخذ عسكر المسلمين بيرقهم الذي خرج معهم في البحر؛ لأن صاحبه قتل في باب الدرب[3/ب] وهزموهم إلى البحر، فدخلوا غربانهم وسنابقهم، واجتمعوا بأصحابهم، وأرسل بالبيرق الذي أخذ عليهم إلى صنعاء فركز في سوقها بأعلا سمسرة خان خليل. ثم كان اليوم الثاني من هذا الحادث المذكور، وزحفت الفرنج بأجمعهم إلى باب المخا، وشنوا عليه المدافع والزبارط من جميع براشهم، فكانت تقع في وسط المخا كالمطر الملقا، ولم تضر مع كثرتها أحدا غير رجل واحد هلك منها، وأخربوا بذلك الرمي جانبا من قصر المخا المطل على البحر بعد أن كان خرج عنه الجرموزي إلى جانب الأقصى وأخلاه عن السكون لكثرة الرمي المشنون، ثم رمى أهل المخا بالمدفع الكبير، فوقع في دقل البرشة معهم، ويقال: إنه راح منهم ثلاثة نفر وكان بسببه تأخرهم. وكان قد تقدم جماعة من الفرنج إلى داير المخا من جانب آخر يريدون إلقاء الحريق، ففطن بهم بعض المسلمين رموهم فردوهم على أعقابهم، وزال جميع حيلهم، ثم إنهم ساروا إلى باب المندب ، ثم عادوا إلى باب المخا، ثم ما زالوا كذلك في البحر يسيرون ويرجعون في البحر، ولم يقع قتال مدة أربعة أشهر، ثم ساروا وكل ذلك لأجل استخراج أهل المخا، واللحوق في البحر ليأخذوا منهم الغرض الأقصى[4/أ] لعلمهم بقلة أجسامهم في أعمال البحر وتصرفهم، فلم يخرج إليهم أحد في مدة لبثهم، فلما أيسوا عن ذلك عادوا راجعين بلادهم، وزال شرهم، ودخلوا بلادهم في شهر رجب منها.
وحصل للفرنج هذا العام هيجان في البحر عظيم، وسببه تحريك العماني لهم لما غزا بندرهم الديو العام الأول.
وفي العاشور من محرم وصل خبر الحاج بأنه كان العراقي هذا العام قويا زائدا على عادته، وكذلك الشامي، وأما المصري فعلى عادته. وحج بالناس الباشا حسن، واستقر بمكة بعد عزم المحامل شهرا ثم عاد جدة.
Page 297
وأحمد بن الحسن لما بلغه أفعال الفرنج، وخطاطهم في البحر، ومضاررتهم، لم يقر به القرار بالغراس خشية على بندر عدن والمخا من صولتهم وضررهم، فجمع عساكره جميعا والوطاق، وسار إلى حضرة الإمام بضوران، وسار معه أيضا محمد بن الإمام من صنعاء. وطلب والده زيادة بلاده له، فزاد له الإمام بلاد حراز . وعلي بن الإمام وصل إلى عدن واستقر، لما بلغه هزيمة الفرنج، وهؤلاء فرنج الهند طوائف مختلفون، فمنهم إنجريز، ولونده، وبرتقال، وفرنصيص [4/ب]، والبرتقال هم الحاكمون عليهم، وسائرهم رعايا لهم.
وقد ذكر المسعودي في (مروج الذهب): أن فرنج الهند أصليون من قبل الإسلام، ساكنون في تلك البلاد، وذكر قطب الدين في تاريخ بني عثمان (الإعلام) و(البرق اليماني) أن طائفة الفرنج في الهند خرجوا القرن التاسع، وضربوا في سواحل اليمن.
قال: وكان خروجهم من وراء جبل القمر -بضم القاف- من خلف الحبشة بحرا استطرقوا من أصل بحر المغرب من بلادهم، ثم بحر الحبشة ثم بحر الهند إلى هذا المحل الذي سكنوه في الهند، ولهم قلعة في الهند تسمى كوة -بضم الكاف- هي محل أميرهم وسلطانهم، والجمع بين القولين: أن هؤلاء الذين خرجوا هم طائفة البرتقال الذين حكموا على فرنج الهند، وسائر طوائف فرنج الهند هم الأصليون، وقد صاروا الآن رعايا للبرتقال الذين خرجوا من فرنج المغرب، والله أعلم. وكلهم نصارى، وهم فرق ذات بينهم، وأحد طوائفهم[5/أ] تنكر أن عيسى ابن الله، والطائفة الأخرى تثبت ذلك، وهم على دينين.
Page 298
وفي شهر صفر أو ربيع حال رجوع الفرنج من باب المندب اتفقوا بجماعة من تجار الحسا وعمان وغيرهم في مرسى بالروم ، ما بين الشحر وبين أحور ، فقصدوهم فهرب عسكر العماني، وكانوا في غراب قدر ثلاثمائة نفر إلى الساحل، وانكسر غرابهم، ودخلوا بروم، وكذلك أهل الحسا الذين معهم البضاعة من البن، وتركوا المركب في البحر، فوصل الفرنج إلى قربه فحرقوه جميعا. وعسكر العماني رموا إلى جهة الفرنج إلى البحرمن ساحل بروم، فما عرفوا هل أصابوا أحدا أم لا، وأصيب واحد من العمانيين برصاصة من الفرنج في ساحل بروم، ثم إن عسكر العماني بقوا كذلك حتى حصل لهم غراب آخر، بعد أن سار الفرنج ورجعوا بلادهم، والفرنج ذهبوا في البحر جهاتهم.
وفي صفرها لما استقر محمد بن أحمد بعيان طلب مشائخ برط إليه وذكر لهم من أجل الذين[5/ب] نهبوه في طريق صعدة بطريق العمشية العام الأول، فقالوا ذلك قد حصل، وتلاشى أمره وانفصل، وما هو باقي يعاد، وما قد استهلكوه فيسلم فيه العوض، فدخلوا في ذلك وسلموا من الغنم والبنادق بما قيمته قدر ألفين حرف وخمسمائة أو ثلاثة آلاف قيمة الجميع وسلموه إليه، وقالوا: النهب شاركهم فيه غيرهم، وهذا العوض جهدهم ، وعاد أحمد بن الحسن من ضوران هذه الأيام.
وفي شهر ربيع الأول ظهر نور عظيم في مسجد النهرين ، الذي في سائلة وادي صنعاء، لهبة خضراء داخل المسجد بقت من صبح ذلك اليوم الذي ظهرت فيه إلى العصر، والناس يتكحلون بالميل من ذلك، وأهل المكان يقولون: إن هذا المسجد فيه بركة.
[6/أ] وظهر في هذه المدة براهين وكرامات للشيخ فليح بن مفلح، الذي مقبور في طرف سعوان ، وعليه مسجد قديم ومنارة وبركة ومطاهر، وذكر أهل الجهة أنه قديم، وأن هذا المسجد كذلك قديم الأساس، وأنه مشهور البركة.
Page 299
ولا تزال براهينه ظاهرة، وكان يقرب إليه قرية هي خراب الآن، فمنها هذا الزمان كما وصفه الواصف: أن رجلا أخذ من قضب له شيئا لغنم معه معلوفة، فهلكت أجمع، ومنها: أن رجلا من نهم سرق من كسوة تابوته شيئا، فأصبح يابسا مكفوتا، فأرجعها وتاب، ومنها أن جماعة خرجوا من صنعاء إلى مسجده فتمخلع واحد منهم ولعب جنب حوطته، ولم يأخذ أدبه، وطلع منارته أطل من موشق فيها، فالتم عليه الموشق، ولم يستطع لإخراج رأسه حتى استغفر. ومنها: أن رجلا ادهن بشيئ من السليط الموضوع للتسريج، فسقطت لحيته إلى يده، ومنها أن النساء دخلن المسجد زائرات، كانت واحدة حائض، فلما وصلت الباب لم تستطع الدخول، وجاء شيء ما منعها. ومنها: أن رجلين لم يأخذوا أدبهم في حوطته، وهم بجنب بركة الماء التي جنب مسجده، فلم يشعروا إلا وهم في الماء أحدهما فوق الآخر، لم يستطيعوا على الخروج، ولصق أحدهما على الآخر، لم ينفكوا حتى تابوا واستغفروا وتوسلوا ببركة الشيخ في إطلاقهم[6/ب]. ومنها أن رجلا نهب على راعي غنم للشيخ فليح، بنظر ولي مشهده رأسا من الغنم، بقي ثلاثة أيام، وجن السارق وأرجع الرأس الغنم على حاله. وإذا وصل أحد إلى باب المسجد وله اعتقاد بالشيخ انفتح له الباب، وإذا لم يعتقده لم ينفتح له الباب، هذا كله في هذا الوقت.
قال أهل البلد: وكم له من براهين لا تزال متكررة متواصلة، ومن أعظم ذلك أن المسجد لا يزال مفروشا بالبسط الرداعية والكسوة على تابوته في مكان قافر وخلاء وقرى سعوان عنه نائية، ويضع القيم الحب في مكان حوله يدخله كل أحد، ويضع جميع ما جاء له من النذور من دراهم وشمع وحب وغير ذلك في حوطته، ولا حارس لها، ولا يقدر أحد أن يمسها ولا يقربها، فهذا من أعظم الكرامات لهذا الشيخ.
Page 300
قال الراوي: إنه قديم، ولم أجده أنا في تاريخ، بيد أنه روي لي أنه من قبل النبوة، وأنه كان من أصحاب عيسى بن مريم، والله أعلم. وبعد هذه الكرامات فإنها دالة على فضله. وفي اليمن أولياء ومشاهد لم تعرف في تاريخ ذكرها في هذه البلاد العليا، لعدم اعتناء الشيعة بذكر تاريخ الفضلاء كما يعتني أهل السنة بهم، فمنهم الشيخ مياس في طرف بلاد آنس إلى ما يلي بلاد عتمة وذاهب ، عليه مقام ومزار، ولم يعرف تاريخه في كتب التواريخ، ومنهم السيد الذي في السودة وآخرون مغمورون. ولكن نعلم أن الأولين ما وضعوا هذه الأساسات والأبنية والمساجد والمشاهد إلا وهم من الفضلاء نفعنا الله بالصالحين.
والباشا حسن حج مع الناس، وأراد تكون الحربه له دون سعد فلم يتم، فبقي بمكة إلى آخر شهر الحجة، وعاد جدة. وكان أرسل إلى فرحان بأنه يكون دخول مكة صفة حجاج، ويتركون الدخول [7/أ]بالسلاح والأرماح، فأجاب فرحان: أن الأمر للشريف سعد، إذ هو الوالي بمكة، والناس داخلون إلى بابه، وكان دخل إلى جدة بحرا ياقوت إسماعيل من أصحاب أحمد بن الحسن ومعه جماعة بسلاحهم، فانتهبه الباشا عليهم وقال: يدخلون مكة حجاجا، ثم إن ياقوت إسماعيل سار إلى حضرة الباشا وعرفه في ذلك فأطلق له السلاح.
Page 301
وفي صفرها وصل العولقي والواحدي إلى رداع، ثم إلى حضرة الإمام بضوران، وكان أحمد بن الحسن قد رجع عنه بعد جمعه لجنوده وجنود صنوه محمد بن الحسن هنالك، وأراد أن الإمام يعرف بما في وجهه من الناس، وما يتوجه لهم من الإيناس، ولما وصل الواحدي والعولقي إلى حضرة الإمام عرض عليهم القافلة التي راحت فأصلحوا فيها، ثم تناظروا فيما بينهم من القتول الجارية معهم في قبائلهم فتساقطوها، وزاد عند العولقي للواحدي قدر خمس وعشرين قتيلا، وكل هذه القتول التي حسبت لهم من بعد فتح المشرق ودخول أحمد بن الحسن إليه، فأما قبل فلم يجر فيها حساب[7/ب] لكثرتها فيما بينهم، وكان خروج العولقي من بلاده في عسكر كثير من قبائله فوق ألف نفر وبيارقه، فلما وصل طرف بلاد الرصاص منعه الشيخ صالح الرصاص وقال: ادخل بمائة نفر، فدخل كذلك.
وفي شهر ربيع وصل إلى الحضرة العالية رجل من الإمامية الإثني عشرية يتعرض للطلب، وجعل للإمام من شعره قصائد كثيرة على الحروف المعجمة، وخرج أيضا بصراوي يذكر أن له معرفة في أدوية البواسير يقال له: الشيخ يعقوب، فيحصل من الدواء هذا معه زوال ذلك، ولكنه يتعقبه من بعد الانتقاض وضعف البدن والعود، فلم يحصل منه كثير فائدة، وكان يرسم على الذي يداويه دراهم كثيرة قدر خمسة وعشرين قرشا وفوق، فمنهم من يبرأ، ومنهم من لا يحصل لدواه جدوى.
Page 302
وفي ربيع الأول وصل شيخ برط من ذي محمد، قاسم بن علي ومعه قدر أربعين نفرا، والقاضي علي بن محمد العنسي معه، فوصلوا إلى حضرة أحمد بن الحسن الغراس، ثم ساروا إلى حضرة الإمام ومن معه من الناس، وسبب وصولهم أن محمد بن أحمد طلب منهم أنه سيقدم بلادهم، فأرادوا العذر عن ذلك، فصرفهم إلى الإمام، فأمرهم الإمام بأنه لا بد من دخولها ومشاهم وزلجهم من عنده على ذلك الكلام. وفي خلال وصولهم وعودهم تعرض جماعة من ذي حسين لطريق خيوان ، فصادفوا فيها سيدا وولده من حوث في الجبل الأسود فرموهما، فأصيب ولد السيد وسلم أبوه[8/أ] وهربوا، تعديا وظلما وتمردا وعنادا. ثم إن محمد بن أحمد تحرك حينئذ إلى بلد الخراب، رأس وادي المراشي ، وهي باب برط وطريقه، وأهل برط صاروا مختلفين فمنهم راضي بدخوله، ومنهم كاره، فمن الراضين: ذو محمد، قالوا: حيث قد رجح الإمام ذلك فعلى ما يراه، ولا خلاف.ثم تحرك أحمد بن الحسن من الغراس بجموع كثيرة بعسكره، وضم معهم من قدامهم من القبائل كنهم، ومن الجوف ، وجاءت طريقه الجوف، فلما بلغ برط جاؤوا إلى محمد بن أحمد واهتموا بالطلوع والنفوذ إلى بلادهم، وأرادوا بذلك أو تحصل الكفاية بدخوله عن حركة أحمد بن الحسن، وكتبوا إلى الإمام بأن محمد بن أحمد قد دخل البلاد حسبما أمر، وأحمد بن الحسن تقدم إليهم وجاءت طريقه بطن الجوف مشرقا، في بلاد قافرة ضعيفة شاقة، سار إلى معين ، ثم خرج منه إلى أبراد، وأخذ العسكر من [8/ب] أطراف مواشي بني نوف بعضا جزاء بما فعلوه العام الأول في الجوف، وخرج أحمد بن الحسن إلى وادي خب في بلاد بني نوف من دهمة ، واستقر في طرفه مما يلي برط قدر شهر، فحصل التضرر مع أصحابه فيه، لبعد القوافل والطعامات عن الوصول إليه وكثرة الناس، ثم طلع برط، فأول دخوله بلاد ذي حسين قهرا، واستقر في بلد رجوزة وسط بلاد ذي حسين، فبقى فيها أياما، وكان قد نالهم بهذه الطريقة مشقة وكثرة حيات وعسرة الطريق وكثرة الأشجار، حتى هلك بعض من هلك منها يقال: حرمة من جواري أحمد بن الحسن، وآخرون لدغتهم الحيات، ومات كثير من الخيل والقراش يقال: قدر سبعين حصانا فأكثر، ومحمد بن أحمد حال دخوله برط حصلت فرقة بين ذي محمد وذي حسين، وارتجام فيما بينهم.
ولما استقر أحمد بن الحسن ببرط بعد دخوله شق بأصحابه وجموعه، لضعف البلاد، وعدم ما يقوم بهم من الطعامات والزاد، تفرقوا وسار أكثرهم وعادوا، ولم يبق مع أحمد بن الحسن إلا خاصة أصحابه وعبيده، وأهل[9/أ] برط منهم من تشرق في المحطة، وصار اليأس معه ومن بقى عنده في الحاجة والضرورة، وعدم وجود الحبوب المجلوبة، حتى بلغ القدح قريب خمسة حروف وأربعة.
وفي هذه الأيام أخرب محمد بن أحمد بيتا كان في طرف بلد الأوساط التي سكنها؛ لأجل أنه كان مع برط مجمعا للفساد، وأصله بيت قري جمعة التركي أيام دخل برط، عمره أيام دخوله فيما سبق .
وفي هذه الأيام اعتنى صاحب المخا بعمارة القليع عند المخا وتصليحها وافتقادها؛ لأجل ما وقع من الفرنج وفسادها.
وفي خامس عشر شهر جمادى الأولى خسفت القمر، أكثر جرمها في برج الحمل، وغربت خاسفة.
وفي هذا الشهر مات محمد كاشف ببرط حضرة أحمد بن الحسن، وهذا المذكور كان أول رياسته مع شرف الإسلام الحسن بن الإمام آخر أيامه، ثم ولده أحمد إلى أن مات في التاريخ المذكور، وكان متوليا في المدة السابقة بأصاب ، وهو ممن خرج مع أحمد بن الحسن في الحوادث تلك المدة السابقة، في مدة الإمام المؤيد بالله، ثم عزله أحمد بن الحسن، ولم يترك رعايته، وكان شافعيا في مذهبه، رأيت بخطه في بعض كتبه يقول محمد كاشف الشافعي مذهبا، الشيعي [9/ب] معتقدا.
Page 304
وفي يوم السبت ثالث عشر شهر جمادى الأولى مات السيد العارف علي بن يحيى بن أحمد بن المنتظر الغرباني بظفير حجة ، كان هذا السيد في عشر الثمانين، وكان قد اختلط عقله آخر عمره، وقبيل وفاته سنة موته. انتقل جده المنتظر إلى ظفير حجة في مدة الإمام شرف الدين ، وأصلهم من غربان ، وله في تلك الجهة مال ودار. وقد تولى القضاء برهة أيام في مدة الإمام المؤيد بالله، ثم ترك لحدة طبعه، وحرة مزاجه، وأخرجه أهل الظفير في بعض الأيام إلى حجة ، ثم رجع وعاد وانعزل في بيته وماله.
وفي هذه الأيام وصل خواجا تركي بهدية للإمام، وهو وطاق من جهة بلاد الحبشة، وسكن بحضرته قدر شهر تام، وزلجه الإمام، وأعطاه قياس ثمن وطاقه وزيادة في الإنعام، فمر صنعاء، وحضر جمعتها، فقال: ليش ما يذكر الصحابة خطيبها.
وفيها ظهر رجل قيل: أنه يدعي أنه شريف، وإذا سئل ما إسمه؟ قال: عبد الله، وأصله فقيه قيل: من بني الخيشني، كان قباضا مع أحمد بن الحسن في بعض البلاد، كان قد قرأ على حي القاضي حسن الحيمي بعض قراءة، لم يحصل له فيها فائدة. وكان له[10/أ] صناعة في كتب الإنشاء، فظن من لم يكن له معرفة أن عنده علما، ولما وصل إلى بلاد كحلان وحجة حصل له من الناس الضيافات والإحسان، ثم إن صاحب حجة محمد بن حسين بن جحاف استماله إلى الوصول إليه، فوصل، فباحثوه فلم يجدوا عنده في العلم معرفة، وأدب بعض أهل بلاده عن ما فعلوه إليه من الإكرام والضيفة ونهاهم عن ذلك وزلجه، وأمره بعدم البقاء في بلاده، ثم أنه ركب البحر وصار إلى حضرة حسن باشا ولازمه، ثم بعد ذلك سار إلى جبل الطائف واستقر فيه هذه المدة.
Page 305