382

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

قال [الرقاشي]. تبا لك؛ إنما يتصل المخلوق بالمخلوق، ويمس المخلوق المخلوق، وينال المخلوق المخلوق، وأما الرب الذي لا مثل له؛ فلا يتصل بشيء، ولا يمسه شيء، ولا يناله شيء؛ هو أعز وأمنع أن ينزل مجال الاتصال.

قال [الأعرابي]: أفمنقض هو على العرش؟

قال [الرقاشي]: ويحك !! إنما ينقض الشيء من الشيء بحدود، [و] الله دائم بلا حد، ولا غاية.

قال [الأعرابي]: سبحان الله، هو لا قائم، ولا قاعد، ولا متكئ، ولا منفصل، ولا متصل، ولا منقض فكيف هو؟

قال [له الرقاشي]: ثكلتك أمك. لا كيف له، ويحك !! وهل تدري ما الكيف؟

فقال [الأعرابي]: لا

قال [الرقاشي]: إنما يقال الكيف للشيء الغائب؛ إذا استوصف، فيوجد له في الحاضر مثل، فيقول الواصف: هو كذا، أو مثل كذا، أو شبه كذا، وأما الرب - جلا وعلا - فلا مثل له فيما غاب، ولا فيما بقي؛ ولا يقال له: كيف، ولا يطلب بالكيف، ولا إليه سبيل بالكيف، وإنما يراد بالكيف الشبه والعدل، والله تعالي " ليس كمثله شيء ".

قال [الأعرابي] فما قوله: " الرحمن على العرش استوى "؟

قال [الرقاشي]: فإنما ضللتم من قبل العربية أن الاستواء في كلام العرب الاستعلاء، والقدرة، والقهر، فليس مخلوق تدركه: أن كيف هو؟ هيهات هيهات من ينال ذلك، وقد جعل على أبصار القلوب عن ذلك الغطاء؛ فلا وهم يناله، ولا قلب ينعته ويصفه، ولا يخطر على بال، إلا كما وصف نفسه: " قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد" ؛ دائم "أبدا ليس كمثله شيء، وهو اللطيف الخبير".

قال [الأعرابي السائل] فما العرش؟

Page 386