Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبي، ونعم الوكيل.

الحمد لله الأول بلا بداية، والآخر بلا حد ولا نهاية، ولا مدة ولا غاية، الظاهر بالدلالات علي وجوده، الباطن الذي لا يغيب شيء عن علمه " الذي علم بالقلم ،علم الإنسان ما لم يعلم ".

أحمده علي ما أولي وأنعم، وأعان وكرم، والصلاة والسلام علي محمد صلي الله عليه وسلم.

Page 4

أما بعد: فإني لما رأيت العلم قد قل طالبه، وتقاصر أكثر الناس عن الرغبة فيه، وكلت الهمم عن الوصول إلي مقامات السلف الماضيين، وعجزت عن درك مقاصد السابقين- استعملت خاطري في تصنيف مختصر أجمع فيه معالم الشريعة وأنظم فيه شتات الفقه، وأبين أصله وفروعه، وأجعل مسائله مشروحة مجموعة، متجاورة متتابعة مشروعة.

فجمعت فيه بغاية الإيجاز الذي لا يكون معه ملال، واختصار لا يزري به إقلال ولا إخلال، وسميته كتاب منهج الطالبين، بلاغ الراغبين.

وجعلته مجزأ عشرين جزءا. يحتوي علي ضروب من علوم الشريعة، وفنون من العلم مجموعة، وجعلته معلما بالأقوال، ومفصلا بالفصول، لمطالعة المسائل، تقريبا عن الإطالة والملالة.

فالجزء الأول:

في العلم وصنوفه، والحث علي تعليمه، ودرسه.

وفي ذكر العلماء ودرجاتهم- وفي العقل والفتيان ولزوم الحجة، وتعليم القرآن، واختلاف العلماء في خلق القرآن.

وفي المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ منه، وفي تفسير شيء منه.

وفي التوحيد ومعرفة الله تعالي، وأسمائه وتفسيرها، ونفي الشبه عنه، والرؤية، والكلام، والوعد والوعيد، والمشيئة والإرداة، وخلق الأفعال، والاستطاعة ووجوب التكليف، والعلم، والهدي والضلال، والصراط والميزان، والاستواء، والموت والقبر والبعث والحساب، والجنة والنار، وفيما يسع جهله، ومالا يسع جهله، وفي الإيمان والإسلام والكفر والنفاق، وذكر الملائكة والجن وإبليس لعنه الله وفي ذكر العلماء وأسمائهم، وفي رفع مذهب أهل الاستقامة.

الجزء الثاني:

في الولاية والبراءة، وصنوف ذلك ومعانيه.

وفي صغائر الذنوب وكبائره.

وفي التوبة وفضلها، وتهذيب النفس وتقويمها، وأعمال القلب، وما تستقم به العبادة، وإخلاص العمل.

وفي ذنوب الأنبياء، والملائكة عليهم السلام.

وفي فضائل نبينا محمد صلي الله عليه وسلم، أصحابه، وأمته، وفضائل الذكر.

Page 5

وفي الجنة والنار والدنيا والآخرة، وذكر الطيب، وستر البدن، وأدب الأكل والشرب والجماع، وما يستحب من القول وجواز التقية، والعتب، والعذر، والحب، والبغض، وحسن الجوار والمعاشرة، وصلة الأرحام، والاستئذان في البيوت، والسلام ورده، وما يجوز للرجال والنساء من بعضهم لبعض، وحق الوالد علي الولد.

وفي الفرائض والسنن، وفي النيات وألفاظها، وفي الشك المعارض للعبد في حلاله، وفي مسائل في البحر، وما جاء في الجبابرة وعمالهم، ومن ابتلي بهم.

الجزء الثالث:

في المياه، والطهارات، والنجاسات، وفي الحيض، والاستحاضة، والنفاس والغسل من الجنابة.

وفي صلاة الحائض، وصومها.

وفي الوضوء والتيمم، وغسل الميت، والصلاة عليه، وذكر القبر، والتعزية في الموتى.

وفي شيء من الأسفار.

الجزء الرابع:

في الصلاة، ووجوبها، وجميع صنوفها، وضروبها، وما يجب علي العبد فيها.

الجزء الخامس:

في الزكاة، وصنوفها، ومن تجب له.

وفي الجزية، والصوافي والأموال المنسوبة إلي أولاد نبهان من عمان وحكم المسلمين فيها.

الجزء السادس:

في الصوم، وزكاة الفطر.

وفي الإيمان وكفارتها، وفي النذور وكفارتها.

وفي الاعتكاف، وتحريم الحلال، وتحليل الحرام، ومن جعل نفسه هديا أو نحيرة.

وفي صنوف الكفارات، وفي الذبائح، والصيود، وما يحل منها.

وفي الأشربه، وما يحل منها، وما يحرم، وتصنيف جميع ذلك.

الجزء السابع:

في الحج، ومن يجب عليه، ومن لا يجب عليه، وفي الضحايا وصفتها، وما أشبه ذلك.

الجزء الثامن:

في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والعقوبة بالحبس، والتعزيز.

وفي الإمامة وشروطها، ومن يجوز أن يكون إماما، وفي أحداث عساكر الأئمة، وما يجب علي الأئمة ورعاياها، ومن يجوز عزله، وخلعه.

وفي الجهاد، ومحاربة أهل الشرك والباغين.

وفي الغنائم وأحكامها، وقسمها، وفي الأساري، والمرتدين، ومخيمي الطرق علي الناس.

وفي الولادة، وما يجوز لهم، ومن يجوز ن يولي.

Page 6

وفي الحدود، وأحكامها، ومن تجب عليه، ومن لا تجب عليه.

الجزء التاسع:

في الدعاوى، والأحكام، وإنقاذ الحكم علي الحاضر، والغائب، وما أشبه ذلك.

الجزء العاشر:

في الشهادات، وألفاظها، ومن تجوز شهادته، ومن لا تجوز.

وفي ألفاظ الصكوك، وفي الإيمان، والنصب وألفاظ ذلك.

وفي الوكالات وأحكامها، وما يثبت في ذلك وما لا يثبت.

الجزء الحادي عشر:

في الديون، والحوالة والضمان، والكفالة والخلاص من ذلك.

وفي الدماء، وأروشها، والديات فيها.

وفي القتل، وما يجب علي العاقلة منها، وفي القسامة، وما أشبه ذلك.

الجزء الثاني عشر:

في القسم، والشفع، وفي العمل، وفي الأصول والعمال، وفي الصنائع، والأجازات، ومن يلزمه الضمان، ومن لا يلزمه.

وفي أجرة الدواب، والعبيد، والمنازل، والسفن وأحكام ذلك.

الجزء الثالث عشر:

في الأنهار، والآبار، والطرق، والسواقي، والمنازل، وقياس النخل.

وفي المبانات، والمقاسلة، ومعاني ذلك.

وفي تحليل الأموال، وتحريمها، والعرف، والعادة بين الناس.

وفي الغصوب، والخلاص منه والخلاص من السرقة، والضمان، والتبعات، والاستحلال من ذلك.

وفي الضمان الذي لا يعرف ربه، وما يجوز به الانتفاع من الأموال، والمنازل.

وفي الراكبين في السفن، وما يجوز لهم فيها من الانتفاع، وما أشبه ذلك.

وفي المساجد، وفضلها، ومن تلزمه عمارتها والقيام بها، وبأموالها، وبنائها.

وفي الرسوم، وأحكامها، والإحداث فيها، والانتفاع منها.

وفي الفلوات، والصحاري، والأدوية، وما ينبت، والجبال.

وفي مال الفقراء، والسبل، والغائبن والوقوف، والمقابر.

الجزء الرابع عشر:

في البيوع وصنوفها: وما يحل منها وما لا يحل.

وفي الأحكام فيها وفي العيوب، وما يحرم منها.

وفي الصرف، والقرض، والسلف، والمضاربة والرهن.

الجزء الخامس عشر:

في النكاح، وجوازه، ومن يجوز تزويجه من النساء، ومن لا يجوز، وما تحرم به الزوجة علي زوجها.

وفي الأولياء، والوكالة في التزويج، وفيمن الأولي له من النساء.

Page 7

وفي تزويج المتعة.

وفي الرضاع.

وفي الصدقات، وما جاء فيها، وأحكام ذلك.

الجزء السادس عشر:

في معاشرة الأزواج، وما يجب في ذلك: من نفقة وكسوة، ومعاشرة، وما يجب للمطلقات، وللمميتات، والبائنات، ونفقة الزوجة: الصبية والرتقاء، والمجنونة.

وفي سفر الرجل برأي زوجته، وغير رأيها.

وفي القسمة بين النساء.

وفي الوطء، وما يحل منه.

وفي المفاوضة بين الزوجين.

وفي الطلاق، والخلع، والبرآن، والإيلاء، والظهار، وتحريم لزوجات، وتخييرهن.

وفي عدة النساء المطلقات، والبائعات، والمميتات.

وفي المواعدة في العدة في التزويج، وفي رد الزوجات.

الجزء السابع عشر:

في الأولاد، وتربيتهم ومن أحق بهم، ووجوب نفقتهم، ونزعة أموالهم وتصرف الوالد في مال ولده.

وفي لحوق الوالد وفي أدب الصبيان، وفي اللقيط، وفي أمر اليتامى، والقيام بهم، وبأموالهم، وفي أحداثهم، والإحداث فيهم، وإيناس رشدهم ودفع أموالهم.

وفي الأعمى، والمجنون، والأصم، والغائب، والمفقود، والخناث، وأحكام ذلك.

وفي نكاح العبيد، وطلاقهم وخلعهم، واستبراء الإماء، وفي عتق العبيد، ونفقاتهم، وجناباتهم وإقرارهم.

وفي أم الولد، المدبر، والمكاتب، وفي ولاء العبيد، وأحكام ذلك.

الجزء الثامن عشر:

في الإقرار، والعطية، والعمران والرقبا، والسكني، والعارية، والأمانة والهدية، والصدقة، واللقطة، والضالة.

وفي صرف المضار، وفي الحدود والموت بين الأرضيين.

وفي الرحى، والتنور.

وفي جنايات العبيد، والصبيان، وأحداث الدواب، وأحكام الميزان وما أشبه ذلك.

الجزء التاسع عشر:

في الوصايا وأحكامها، وفروعها، وأقساطها، وما كان من معانيها.

الجزء العشرون:

في المواريث، وقسمها بين أهلها، وشرح ما يتعلق علي فنونها، وأحكام ذلك.

Page 8

ووسمت هذا الكتاب بالأقوال مكان الأبواب، لئلا يشتبه بغيره من الكتب، لأني وجدت كثيرا من الكتب قد ذهب أولها وآخرها، ولم تعرف أنها أي كتاب هي ؟!!، ولا من أي تصنيف، فجعلت علامة لا يشبهها شيء من تصانيف أهل (عمان).

ولا مزيد علي ما صنفه السلف الماضون، ولا يدرك غايتهم المتأخرون، ولكن لابد في كل زمان من بجديد ما طال به العهد، ودرس منه البعض، تنبيها للغافل، وتعليما لتجاهل، وتقريبا للمطالعة، وتخفيفا لمن أراد جمع أصول الشريعة.

لأن كتب أهل (عمان) السالفة- منها المختصرات التي هي دون الوصول إلي المراد، ومنها المطولات التي يشق جمعها علي أهل الطلب والارتياد.

وهذا كتاب يكتفي به عن المختصرات، والمطولات لأنه جامع لأكثر المعاني بألفاظ مختصرة، فجمعت فيه بعون الله حسن نوفيقه- ما يسره الله لي من آثار أصحابنا (رحمهم الله)، وما رأيته موافقا للحق من آثار غيرهم.

وأرجو أن يكون مفيدا لمن أقبل إليه، هاديا لمن اعتمد عليه، تعصبا لإحياء آثار أهل هذه النحلة الزهراء والدعوة الغراء، وهم أهل الاستقامة من أمة محمد صلي الله عليه وسلم أرجو أن يكون لي ذخرا عند الله في المال، وهو المحمود علي كل حال .

فمن وقف علي ما كتبته، وألفته، ورسمته، وصنفته- فليمهد لي العذر في تقصيري، ويسد الخلل من خطئي في تسطيري، وليأخذ ما وافق الحق، وليصلح منه ما خالف آثار أهل العدل والصدق.

فإني أعترف علي نفسي بالقصور عن الوصول إلي المراتب الشريفة، والهمم العالية المنيفة، إلا أني معتمد علي فضل الله، وتيسيره، وعونه وإرشاده، وتسديده وله علينا بما أولادنا من ضروب النعمة.

فرحم الله أمرا لزم العلم وأهله وقبل الحق، وأخذ به، ورغب في تعليم العلم ودرسه وجعل هذا الكتاب شعاره، ودثاره.

و"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم" وصلي الله علي رسوله محمد النبي وآله وسلم تسليما.

***

القول الأول

Page 9

(في العلم وصنوفه وضروبه، والحث عليه) بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين.

العلم من طريق اللغة: هو المعرفة والفهم، ومن المجاز: هو علم ما أثره الأولون، وحفظه عنهم الآخرون، ويقال: فلان عالم في فن كذا، إذا كان عارفا وحافظا له ، وهو العلم المكتوب بالتعليم، والنقل والدرس.

وأما العلم الحقيقي: فالذي هو غير مكتسب، ولا يتغير ولا يتبدل- هو علم الله، جل وعلا وهو عالم الغيب والشهادة، وهو علام الغيوب، وهو العليم الخبير، عالم بجميع الكائنات.

والعلم عند أهل الكلام، وما يعقله الناس: هو نقيض الجهل، وكل من وصف بعلم شيء، فقد نفي عنه الجهل به.

والعلم بنفسه: هو تمييز حقيقة الأشياء علي ما هي عليه، ووضع الأمور علي أماكنها من غير تغاير ولا تناقض.

وقيل: العلم، درك المعلوم علي ما هو به، وقيل: هو إدراك الحق.

وسمي العلم علما، لأنه علامة يهتدي بها العالم إلي ما قد جهل به الناس، وهو بمنزلة العلم المنصوب علي الطريق.

والعلم والعلامة والمعلم : اشتقاقهن من لفظ واحد.

والعالم من الخلق(1) غير العلم، وعلم الله- تعالي- لا يقال: إنه غيره: لأن علم الخلق حادث فيهم عقيب جهل، والله- تعالي- جل عن الحوادث، وهو العالم بذاته، كما لا يقال: إن له قدره هي غيره، وهو القدر بذاته- جل وعلا.

فصل:

والعلم: أصناف كثيرة ، وضروب مختلفة، وكلها شريفة، ولكل علم منها فضيلة، والإحاطة بها، وبجميعها محال.

قال النبي صلي الله عليه وسلم: "العلم أكثر من أن يحصي، فخذوا من كل شيء وأحسنه"(2)

ومن ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حقه، ووضعه في غير منزلته التي وصفه الله بها، قال تعالي: " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ".

قال بعض الفقهاء: لو كنا نتعلم العلم لنبلغ غايته لكنا بدأنا العلم النقيصة، ولكنا نطلبه لننقص كل يوم يوم من الجهل، ونزداد كل يوم من العلم.

Page 10

والعلم ثلاث درجات: فمن بلغ الدرجة الأولي استكثر ما علمه؛ فإذا بلغ الثانية: استقل ما علمه، والدرجة الثالثة - لم يبلغها أحد.

وقال بعض الحكماء: العلم علمان: علم ديني، وعلم ديناوي؛ فالعلم الديني هو قسط العلماء الذين أرادوا به الآخرة، والنجاة من سخط الله تعالي، والعلم الديناوي(1)، وهو ما أريد به اكتساب الأموال في الدنيا.

فالعلم الديني، ينقسم على قسمين: ظاهر عام، وخاص باطن حق.

فالعلم الظاهر: كالعلم في الحلال والحرام، والفرائض والسنن والأحكام، وحفظ الكتب والأخبار والحديث، وأمثال ذلك قد اشترك فيه الخاص والعام.

والعلم الخاص الباطن الخفي: هو علم الأنبياء، والصديقين، والأولياء المخصوصين، قد خص به قوم، وهو في كل أمة مثل: تأويل الكتب، وإسرار الأنبياء والرسل، وما كان بينهم وبين أوليائهم المخصوصين، دونه عوام الناس.

ثم ينقسم العلم الخاص: قسمين بين الأنبياء وخواصهم... وقسم خص الله به الأنبياء، وهو بينهم وبين الله عز وجل قال الله تعالي: " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول" فأعلمنا الله جل وعلا؛ أنه إذا ارتضي رسولا من خلقه أطلعه على ما شاء من علمه.

Page 11

ثم ينقسم العلم قسمين: علم بين الله وأنبيائه ورسله، وعلم تفرد به؛ فلم يطلع عليه أحدا من خلقه؛ كما قال الله تعالي: " يسألونك عن الساعة أيان مرساها؟ قل: إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إ لا هو ""، وقال الله تعالي: " يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام "، ومثله: " إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث " الآية. ومثله كثير في القرآن، مما يدل [على] أن الله جل وعلا تفرد بعلمه دون خلقه.

ثم قسم الله العلم بين خلقه أقساما، ورتبهم مراتب؛ فقال: " وفوق كل ذي علم عليم "وقال: " يؤتي الحكمة من يشاء "، قال: " وزاده بسطة في العلم والجسم ".

وأما العلم الدنياوي فينقسم على قسمين: علم روحاني، وعلم جسماني؛ فالعلم الروحاني، مثل علم النجوم، والحساب، والطب، وما أشبه ذلك.

والعلم الجسماني فهو علم الصناعات، كالبناء، والنجار، والحداد، والجزار، والصايغ، وأمثالهم، ومثل عمل البحر، وغير ذلك من الصناعات.

وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه (1) قال: "العلم علمان: علم بالقلب، وهو العلم النافع، وعلم باللسان، وهو حجة الله على أبن آدم".

ومن المعلوم النافعة أن يعرف المخلوق خالقه، وأنه الله الذي أحياه ورزقه، فإنه لا يعرفه قلب إلا خشع، ولا بدن إلا خضع.

ثم شرح الله صدره، ورفع ذكره، وجعله حكيما عليما، وكرمه في الدنيا والآخرة، تكريما.

وقيل: إن العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان.

ويقال: إن العلوم أربعة:

علم الأديان؛ وهو معرفة الحلال والحرام، وما يجوز وما لا يجوز، وما يجب على العبد فعله أو تركه.

وعلم الطب؛ لأن بالصحة للبدن يكمل وصف العبادة، وتأدية الفرائض واللوازم.

Page 12

وعلم اللسان؛ وهو تقديم المنطق الذي يستقيم به الخطاب عند تلاوة القرآن، ومذاكرة العلم، وتمييز المعاني، وهو علم جليل شريف.

وعلم الإنسان؛ وهو أن يعرف الإنسان نسبه، ومن أي أصل هو؛ فإذا عرف نسبه، وأصل حاله؛ أنه من تراب، ثم من نطفه، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يكون جنينا في بطن أمه، مجاورا فيه لما يجتمع فيه من فضول الطعام والشراب.

ثم يخرج من هناك إلى حجر أمه؛ حيث لا يجلب لنفسه نفعا، ولا يدفع عنها ضرا؛ فيجري الله له لبنا من بين فرث ودم، ويجعل الله له الرحمة والرأفة، والمحبة في قلب والدته.

ثم تغذيه حتى يصير حلقا سويا، عاقلا مميزا؛ فإما مؤمن نور الله قلبه بالإيمان؛ كأنه قد ألف الأنبياء، والمرسلين، والملائكة المقربين في حضرة رب العالمين.

وإما كافر قد شغله الكفر، والعصيان، وعوقه عن الوصول إلى حضرة الرحمن، وأنقطع به إلى مجالسة الشيطان في درجات المنافقين، نعوذ بالله، ثم نعوذ بالله من همزات الشياطين، ثم أعوذ بالله أن يحضرون.

ثم إن هذا الإنسان؛ إذا نظر يعين بصيرته، واستعمل ما في فكرته لم يجد بينه وبين آدم أبا، ولا جدا حيا، كلهم أموات قادمون على ما قد قدموا من أعمالهم؛ فإما إلى راحة ونعيم، وإما إلى عذاب مقيم. وإذا اعتبر أمور من مضي منهم لم يجد لأحد منهم كراما إلا بالتقوى، وما بقي من أمورهم ضلال، وهباء؛ فهذا من علم الإنسان.

ولجميع هذه العلوم أبواب ومسائل، لا تحيط بها معرفة عارف، ولا وصف واصف، والله يهدي من يشاء من عباده إلى طريق رضاه، ولا هادي لمن أضله الله.

فصل:

وقيل؛ إن كل أحد يفوق أهل زمانه من العلماء في فن من فنون العلم؛ كما قيل في الحديث: إن "أبا بكر الصديق" (رضي الله عنه) أعلم الصحابة بالله، وأتقاهم له.

و "عمر بن الخطاب" (رضي الله عنه) أعرفهم بالسياسة، ومصالح الخلافة.

و "عثمان بن عفان" يفوقهم في الخط، وفنون الكتابة.

و "على بن أبي طالب" أحكمهم في القضاء، والبلاغة، وفنون العلم.

Page 13