Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
وروت المشبهة أن الله - جل وعلا - ينزل يوم القيامة حتى يجلس على كرسي القضاء؛ فيقول: أنا ربكم، فينكرونه، وكادوا يبطشون به - تعالي الله عن ذلك - فزعموا أنه يكشف لهم عن ساقه، فيخرون له سجدا فهذا هو الكفر بالله العظيم. نعوذ بالله من الضلالة والعمي؛ لقد وصفوا الله تعالي جل ثناؤه - جسما محدودا، ثم زعموا أن المؤمنين لا يعرفون ربهم إلا كذلك، وهي صفة المحدود - تعالي الله عن ذلك.
وقال أهل الاستقامة في قوله تعالي: " يوم يكشف عن ساق " فإنما عني به شدة الأمور. وقال ابن عباس: هو شدة أهوال يوم القيامة.
وأما قوله تعالي: " والتفت الساق بالساق "، قال ابن عباس: أمر الدنيا بأمر الآخرة، قال عمر (رضي الله عنه): في قوله تعالي: " يوم يكشف عن ساق ": هي أشد ساعة في يوم القيامة، وقال الحسن: " يكشف عن ساق " أي: عن الستر الذي بين الدنيا والآخرة - هذا قول أهل الاستقامة في تأويل هذا إلا ما ذهبت إليه المشبهة - تعالي الله عن قولهم علوا كبيرا.
فصل:
وأما قوله تعالي: " على العرش استوى " فهو استواء الملك، والقدرة، والتدبير، وهو معروف في لغة العرب.
وقال النقاش: أي علا وقدر وقهر.
فإن عارض معارض، فقال: كيف يجوز أن يقول: ثم استوي على العرش، إرادته تدبير الأمر على العرش فذكرتم عند الاستواء؟ قيل له: هذا توسع، ومجاز في القول، وهو يريد ثم يدبر؛ كما قال: " حتى نعلم المجاهدين منكم " وحتى: لا يجري في كلام العرب إلا على أمر حادث مستأنف، ولا يجوز أن يعلم الله الأشياء بعلم حادث، لأنه لم يزل عالما بالأشياء كلها قبل كونها، ولمن أراد بقوله: " حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين " أي: حتى يجاهد المجاهدون منكم، ويصبر الصابرون [منكم]، وهو سبحانه - عالم بهم فذكر: حتى مع قوله: " حتى نعلم المجاهدين "توسعا، ومجازا.
Page 384