377

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

وإنما هو تمييز، وتفصيل؛ ومجازاة بالعدل، لأن أعمال العباد أعراض، [و] ليست بأجسام؛ حتى توضع في ميزان على الحقيقة، ويعتبرونها.

وأما قوله تعالي: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ": فذلك عدل، وإنصاف يظهره الله تعالي لعباده، ويعرفهم حقيقة حكمه بالحق يوم القيامة، وأنه لا يظلم أحدا شيئا.

وأما قوله - عز وجل " فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا "؛ أي: لا يقبل الله منهم يوم القيامة إيمانا كما قال الله تعالي: " لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا " فصح أن الوزن هو الإيمان.

ومن الحجة لأهل العدل على صحة قولهم أن الله تعالي قال: "هو الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان"، وقد صح عند جميع أهل العقول، والبصائر - إنه لم ينزل ميزان موصوف بعمود ذو كفتين، وإنما هو عدل وإنصاف، وحكم فاصل بين العباد بالحق.

وأيضا لو كانت الأعمال بالوزن الموصوف عند من قال: أنه يوضع للأعمال ميزان على الحقيقة - لكان لكل عمل امرئ أربعين سنة من عمره في طاعة الله تعالي يؤدي فيها جميع ما افترض عليه من صلاة أو صوم، أو حج، أو زكاة، وجميع أعمال البر، ثم ضيع سنة واحدة من آخر عمره، أو شهرا واحدا، أو يوما واحدا، أو ساعة واحدة - فلم يؤد ما افترض الله عليه، ولم ينصف من نفسه لما يلزمه من طاعة ربه متعمدا لذلك - لكانت أعمال السنين الماضية أكثر وأثقل وزنا.

Page 381