374

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

وقد يقال: أضل الله، وأضل الشيطان، وإضلال الناس بعضهم بعضا، ولكل ضلالة معني، فأما إضلال الشيطان (لعنة الله): فهو دعاؤه إلى المعاصي، وترغيبه، وتزينينه ذلك، وكذلك إضلال السامري، وإضلال فرعون قومه، وإضلال الناس بعضهم بعضا، وذلك معصية منهم؛ لأن الله نهاهم عن ذلك.

وأما معني أضل الله: أي لم يهد، ولم يعصم، ولم يوفق، وإنما هو فقد الهدي، وعدم العصمة لا بوجود شيء، ووقوعه.

ألا تري؟ أنه يقال: خذل فلان فلانا؛ أي لم يعنه، ولم ينصره، لا أنه فعل فيه فعلا يسمي خذلانا، كما يقال: إن فلانا فقير، والفقر اسم واقع لعدم المال وفقده، وليس الفقر شيئا موجودا سمي فقرا، وكذلك الغني؛ هو وجود المال، فيقال أغناه؛ إذا أعطاه مالا يستغني به، وافتقر فلان؛ إذا لم يعطه الله مالا يستغني به عن الفقر، ويقال: أجاع فلان فلانا، وأعراه؛ إذا لم يطعمه، ولم يكسه، وليس أنه أحدث في جوعه، وعريه شيئا.

والهدي، والعصمة يعطيهما الله من يشاء ممن أحب [من] عباده، والضلالة، والخذلان بوقوعهما كانت المعصية، فمن ذلك فإنما هلك من قبل هواه، وما سولت له نفسه، ومن نجا من الهلكة، ونال الخير - فمن قيل الله، وعصمته إياه، ومنه وفضله عليه.

فصل:

والهدي على ضربين: هدي السعادة، وهدي البيان، والدلالة، والإرشاد إلى الحق، فهدي السعادة: لا يستحقه إلا المؤمنون بمن الله - تعالي - وفضله عليهم.

وأما هدي البيان، والدلالة والإرشاد إلى الحق: فقد بين الله تعالي لعباده المكلفين: قال الله تعالي: " إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " فهذا هدي البيان، وقد آتاه الله الخلق أجمعين.

Page 378