في الهدي والضلال قال الله تعالي: " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها "، ففي معني هذه الآية دليل على أن الله تعالي لم يفوض الأمر إلى عباده، ليستبد كل منهم بمراده، لا كمن زعم أن الله - تعالي - شاء من الخلق الإيمان، وشاء الكافرون لأنفسهم الكفر، وكانت مشيئتهم ظاهرة على مشيئة، وهم إن شاء ألا يكفروا، نفذت مشيئتهم، وعندهم: أن الله تعالي شاء من الخلق ألا يكفروا، ولم تنفذ مشيئة؛ فأخطأوا والقول، وضلوا عن معاني الكتاب؛ لأن الله - عز وجل - يقول: " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ".
أفليس في هذا القول دليل لأولي التمييز، والأبصار - على أنه لا يستطيع من سبق له الخذلان ألا يدخل في ملة أهل الإيمان، ولا يقدر أحد ممن يتعبد بالإسلام عن الخروج عن الإيمان إلا بمشيئة الله تعالي، فإن سأل سائل عن الضلال: أهو من الله أم من العبد؟ أم من الشيطان؟ قيل له: إن الضلال: هو فعل العبد الذي ضل به؛ كما قال الله تعالي: " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم "، وفي الأثر: أن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) يروي عن ربه جل وعلا "يا بن آدم: بمشيئتي شئت لنفسك كما كنت تشاء،وبإرادتي أردت تنفسك ما كنت تريد، وبمشيئتي أديت إلى فرائضي، وبخذلالاني وقعت في معصيتي؛ فأنا أولي بحسناتك منك، وأنت أولي بسيئاتك مني، لأني لا أسأل عما أفعل، وأنتم تسألون " فالخذلان يكون عند اعتماد العبد لفعل المعصية، وقصده إليها.
Page 377