Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
فإن قال قائل: مم أنكرتم أن يكون عالما بعلم؛ إذ لم يشاهد عالم إلا يعلم؟ قيل له: إن علم الخلق بالتعليم وهو حادث فيهم بعد أن كانوا غير عامين بيده، والله تعالي هو العالم بنفسه لا يعلم حادث فيه بعد أن لم يكن. فإن قال: فما أنكرتم أن يكون ما قلتم أنه عالم بنفسه لا معني له؛ لأنه لا يخلو من أن يكون عالما بنفسه، أو عالما بعلم، فإن كان عالما بعلم فهو ما نقوله، وإن كان عالما بنفسه، وجب أن يكون نفسه عالما، فلما استحال أن يكون نفسه عالما وجب أن يكون عالما بعلم.
قيل لهم: إن العالم إنما يكون عالما بوجود علمه، وقولننا عالم بنفسه إثبات للذات، الذي أنكرناه أنه غيره أن يكون قديما أو محدثا؛ فإن كان قديما وجب أن يكونا قديمين في الأزل، وإن كان محدثا وجب أن يكون القديم قد كان غير عالم، فلما فسد هذان الوجهان صح ما نقول: إنه عالم بنفسه.
فإن قال: هل يعلم الله نعم أهل الجنة، وعذاب أهل النار؟ قيل له: نعم يعلم ذلك إلى غير غاية، ولا نهاية سبحانه وتعالي العالم بما كان، وبما يكون، وما لا يكون، أن لو كان كيف كان يكون، لا يخفي عليه شيء. فإن قال: فما الدليل على أنه يعلم ما يكون من الأشياء قبل أن تكون؟ قيل له: لو كان غير عالم بها قبل كونها يكون جاهلا بها؛ فلما كانت أفعاله على مقدار علمه بها علمنا أنه عالم بها قبل كونها، فإن قال: فالعلم ساق العباد إلى ما عملوا من المعاصي. قيل له: إنا لا نقول ذلك؛ ولكن سولت لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان حتى كان منهم ما علم الله تعالي.
فإن قال: أفيقدر من علم الله منه المعصية أن يفعل خلاف ما علم الله تعالي.
قيل له: لا، فإن قال: فإذن هو مخير! قيل له: هو غير مخير؛ وإنما قلما: إنه لا يقدر على علم فعل ما علم الله تعالي أنه لا يفعله لتشاغله بفعل ما أمر به، أو نهي عنه.
Page 372