فإن قال: قد كلفه ما لا يطيق. قيل له: إن أردت أنه كلفه مالا يطيق لزمانة فيه، ومانع فلا، وإن أردت أنه لا يطيق ما كلفه من الإيمان في شغله بالكفر.فنعم. ولسنا نزعم أن الله تعالي كلفه مالا يستطيع لشغله بما نهاه عنه، لأن الإنسان لا يستطيع عمل شيء وهو عنه مشغول بغيره كما قال الله تعالي: " ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ". أي لم يستطيعوا القبول لشغلهم بالرد والإنكار.
فصل:
الدليل على أن الله تعالي لم يكلف العباد فوق طاقتهم: قوله تعالي: " فاتقوا الله ما استطعتم "، وقوله تعالي: " وما جعل عليكم في الدين من حرج ".
وقال تعالي: " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " فلا يكلف الله نفسا فوق طاقتها، ولا يسأل عباده ما لا يجدون، وهو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وهو القائل: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " وقال: " يريد الله أن يخفف عنكم "، وروي عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أنه قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتمروا، وخذوا منه ما استطعتم، فإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا".
ولا يليق بصفة الحكيم بعباده؛ أن يكلفهم ما لا يطيقون، وهو الرؤوف الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلي الله على رسوله محمد النبي، وآله وسلم.
***
القول الرابع والثلاثون
في العلم ومعناه
قال أهل الاستقامة من أمة محمد (- صلى الله عليه وسلم -): إن الله تعالي عالم وإن له علما، بمعني أنه عالم بالأشياء، لا أن له علما هو غيره به علم الأشياء؛ قال الله تعالي: " أنزله بعلمه " أي أنزله وهو العالم به.
Page 371