366

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

أحسب عن أبي عبد الله (رحمه الله) أن من كان في عزلة من الأرض على دين عيسي (عليه السلام)، ولم يسمع بمحمدا (- صلى الله عليه وسلم -)، ولقيه أعرابي جاف، أو عبد، أو امرأة جانية، فأخبروه أن محمد (- صلى الله عليه وسلم -) قد بعث؛ فهذا قد لقيته الحجة، وانقطع عذره، ولزمه الإيمان بمحمد (- صلى الله عليه وسلم -)، والعمل بما جاء به، ولا عذر له، وعليه أن يخرج يسأل عن ذلك؛ فإن مات قبل أن يصل إلى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وقد آمن به لما سمع، فهو معذور مؤمن، وإن لم يفعل هذا ومؤمن بالله تعالي، وبمحمد (- صلى الله عليه وسلم -) حتى ماتت فلا عذر له في الإقامة على دين عيسي (عليه السلام) من بعد وصول بعثة محمد (- صلى الله عليه وسلم -) إليه.

ومن نشأ في اليهود، ولم يسمع بمحمد (- صلى الله عليه وسلم -) فهو سالم، لأنه نشأ في أمة مصدقين بتوحيد الله تبارك وتعالي وشيء من شرعه، فهو سالم ما لم يسمع يخبر يقطع العذر، ويصح في العقل؛ فإذا سمع بذلك - كان عليه الخروج، والطلب لما لا عذر له بجهله.

فصل:

إن قال قائل: هل كلف الله تعالي الكفار الإيمان؟ قيل له: نعم، فإن قال: هل يطيقون ما كلفهم من الإيمان، لتشاغلهم عنه بالكفر، لآفة مانعة لهم، ولا لزمانة حائلة عنه، لأن الصحة والسلامة فيهم، فإن قال: هل يطيقون الإيمان بالصحة، والسلامة، وزوال الآفة؟ قيل له: لا يطيقون؛ لتشاغلهم بالكفر، فإن قال: أفيقدر الكافر ألا يتشاغل بالكفر، ويقدر أن يؤمن؟ قيل له: إنه لا يقدر أن يؤمن؛ إذا كان مشغولا بالكفر، وهو قادر إن لم يفرط، ويتشاغل بالكفر فإن قال: أفيقدر أن يترك التشاغل؟ قيل له: إن لم يفرط في ترك التشاغل قدر على ترك التشاغل، ومادام مشغولا عن الشرك بالفعل فهو غير قادر على الترك.

Page 370