369

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

فأما إن ترك ما اختار فهو قادر على فعل ما اختار في الحال التي يختار فيها الفعل الثاني، فهو شغله بفعل لا يقدر على فعل آخر، ولكنه قادر على ترك ذلك في حال تركه من غير مانع له من تركه، ولا جابر يجبره، ولا حائل بينه وبينه من قبل الله تعالي، وإنما أوتي من قبل نفسه.

فإن قال: فما الدليل على أنه إذا لم يفعل ما أمر به، كان فاعلا خلافه؟ قيل له: إن العبد لا يخلو من أحد أمرين: إما حركة، أو سكون، فهو أن كان متحركا أو ساكنا؛ فهو فاعل لأحد الأمرين، وبأيهما كان مأمورا ففعل خلافه فقد فعل خلاف ما كلف، ومن لم يعمل ما أمر به فليس بقادر عليه لأنه لا يقدر في وقت واحد على فعل شيء وتركه وذلك من المحال فإن قال: أفليس قد علم الله من يكون مؤمنا، ومن يكون كافرا؛ قبل أن يعملوا؟ قيل له: بلي. فإن قال: فقد كانوا كفارا قبل أن يعملوا. قيل له: هذا محال، وليس كل من علم الله تعالي أنه يفعل شيئا يكون فاعلا قبل فعله، وهذا مالا تجهله العقول، ومن اعتقد هذا فقد أثم، وحاد عن الحق.

لأن علم الله في العبد أنه يعمل غير علم العبد أنه قد عمل؛ لأن علمه أنه قد عمل إنما هو بعد أن لم يكن، وعلم الله تعالي لم يزل بما يكون قبل كونه، وفي حال كونه، وبعد كونه؛ فهو العالم بالأشياء، لا يخفي عليه شيء منها.

ويقال لهم: هل كان الله تعالي قبل أن يخلق شيئا؟ ويريد شيئا؟ فإن قالوا: نعم، فقد دخلوا في قولنا. وإن زعموا أنه لم يكن يعلم شيئا، ولا يريد شيئا، فقد أشركوا.

فصل:

Page 373