363

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

وما لم نقم على المكلف حجة، ولم تبلغه دعوة: فهو سالم يجهله مما كان طريقه طريق السمع من رسالة الرسول (- صلى الله عليه وسلم -)، وعلم الفرائض؛ لأنه لو كان الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) مشاهدا، ولم تظهر له معجزة على ما يدعيه من النبوة، ويدعوه إليه من الإيمان به فلم يجبه لما كان هالكا؛ لأن مشاهدة النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ليست بحجة على من مشاهده؛ من دون إظهار معجزة، أو إبلاغ رسالة، ولا قال بذلك أحد من أهل القبلة.

ولو كان ذلك كذلك لكان المسلمون حين قدم النبي (- صلى الله عليه وسلم -) مهاجرا إلى المدينة، والناس يصلون إليه، ولا يعرفونه إلى أن كثروا، وارتفعت الشمس، فقام أبو بكر (رضي الله عنه)، فستر على النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بثوبه من الشمس، فعلمت الأنصار والمسلمون، أن المعظم منهم: هو النبي (- صلى الله عليه وسلم -).

فلو كانت رؤية النبي (- صلى الله عليه وسلم -) هي الحجة فقط لكان جميع المسلمين من أهل المدينة قد كفروا بجهلهم الحجة، وهم لها معاينون، ولم يقل أحد أيضا: أن دعوة النبي (- صلى الله عليه وسلم -) هي الحجة دون المعجزة، ولو كانت المشاهدة هي الحجة من غير أن يقصدها دليل من معجزة، أو ما يقوم مقامها لكان من سمع الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) يدعو قبل الهجرة؛ فلم يعلم الحق، ويتبعه كان كافرا، وقد سمع كلام النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فلم تلزم حجته بغير معجزة.

ولو كان ذلك لازما لكل مشاهد للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) وسامع لكلامه لما لكان لإظهار المعجزات معني، ولكان أيضا سائغا لكل مدع للنبوة أن يدعيها.

ولكن لما كان الله - عز وجل - لا يبعث رسولا إلى بمعجزة ظاهرة، أو أعجوبة باهرة، ليس لأحد في زمانه أن يأتي بمثلها، ولا أن يساويه فيها صح أن المعجزة هي المؤيدة لرسالتهم، والمؤكدة لمقالاتهم، والمبينة لحجتهم، والمبرهنة لدعوتهم، والمصدقة لأمرهم، والمفرقة بينهم وبين غيرهم.

Page 367