والفائدة في بعث الله الرسل إلى عباده المكلفين: أن الله عز وجل لما خلق خلقه المكلفين أحياء عقلاء قادرين لا لحاجة منه عز وجل - إليهم، ولا استحقاق منهم، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا وجب عليهم بذلك لله الشكر، ولابد لهذا الشكر من كيفية يعرفها العباد، فبعث الله إليهم الرسل؛ يعلمونهم بكيفية هذا الشكر على ما أولاهم من فضله.
فلما أحسن التكليف من الله لعباده، والتوصل إليه ليسقط عنه امتثال التكليف، وفرضه من الباري - تعالي - في أوامره، ونواهيه، ولم يكن الباري - عز وجل - تشاهده الأبصار، ولا تدانيه الأسماع؛ لكي يبلغهم، علم ذلك منه - حسن من الله - عز وجل - أن يرسل الرسل إلى عباده المكلفين، يبيتون للناس ما يأتون، وما يذرون؛ وإن كان جائزا أن يتعبد الله الخلق لعقولهم؛ ولكن لما بعث الله الرسل - علمنا أن إرسال الرسل أفضل، وقد علمنا أن الله تعالي لا يفعل إلا الأفضل، والأصلح، والأحسن. ولله الحمد، والشكر على ذلك.
فصل:
ويجب على العبد إذا بلغ، وصح عقله، وزالت عنه الآفات في أول أحوال التكليف أن يعرف خالقه، أنه واحد " ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير " دليله على ذلك: ما يراه في نفسه من عجائب خلقه، ولطيف صنعه، وعبر نفسه من خلق السموات والأرض، والليل والنهار، وما يشاهده من اختلاف الأحوال، والآيات، والدلائل على وحدانية الله.
وعلى العبد معرفة ما افترض الله عليه؛ لأنه لا يؤدي الفرض حتى يعرفه، ويعرف المفترض، ولا يعرف رسول الله من لا يعرف الله؛ لأن العبد لا يطيع الرسول؛ حتى يعرف المرسل.
وعلى كل بالغ عاقل أن يوحد الله عز وجل ولا يوحده إلا من عرفه، وأقربه، ومن أقر بالجملة التي من قال بها كان مسلما فقد أقر بالله عز وجل.
Page 365