Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
فمن زعم أن الله - تعالي - أراد العبادة، والطاعة من جميع عباده، لأنه خلقهم لذلك، ولم يفعلوا كان في قياد قول هذا القائل: أن الجن والإنس فعلوا خلاف ما أراد الله منهم، وكانت إرادتهم غالبة لإرادته، وكانوا قد أكرهوه، وغلبوه، وهذا القول باطل.
ولو أراد الله الإيمان من العاصين من الجن والإنس جميعا لآمنوا كلهم؛ لأن الله تعالي يقول: " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا " فدل على أنه لم يرد الإيمان إلا ممن آمن طائعا، ولم يرد المعصية طاعة وقد أراد كون المعصية قبيحة ممن عصاه مسخوطة، والطاعة حسنة مقبولة.
فصل:
وأول حجج الله على عبادة المكلفين: العقل ثم الاستطاعة؛ ثم الكتاب والسنة، والرسل، الأدلة على الحق والهدي، والرسل والميثاق والإجماع.
فمن الدليل على أن القرآن حجة: قول الله تعالي: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم "، وقوله تعالي: " الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ".
والدليل على أن السنة حجة: قول الله تعالي: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ".
والدليل على إن الإجماع حجة: قول الله: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس " الآية. والشهيد لا يكون إلا مرضيا، وقول النبي (- صلى الله عليه وسلم -): "لا تجتمع أمتي على ضلال" وفي موضع، على خطأ.
والدليل على أن العقل حجة قوله تعالي: " فاعتبروا يا أولي الأبصار " فالاعتبار يؤدي إلى معرفة الحق.
والدليل على أن تواتر الأخبار حجة ما نعلمه من أخبار البلدان التي لم نشاهدها بتواتر الأخبار، وكذلك الأشياء التي لم يفعلها إلا بنقل المخبرين عنها، وإن لم نعاينها من البلدان عنها، وإن لم نعانيها من البلدان القاضية، كما نعلم أن لله بيتا في الأرض، وهو الكعبة ولم نعانيها.
فصل:
Page 364