فإن قال قائل: كيف يجوز أن يخلق الله خلقا، ثم يكلفهم فعل الطاعة، وهو يعلم أنهم يعصون، فيصيرون إلى النار، فلو لم يخلقهم ما كفروا، واستحقوا النار؟ فيقال لهم: إن الله تعالي خلق الخلق من الجن والإنس، وخلق لهم عقولا يميزون بها بين الحسن والقبيح، والمنافع والمضار، وأرسل إليهم الرسل، وبين لهم يأتون، وما يتقون، وأوضح لهم سبل الهدي والضلال، وعرفهم الفرق بين الكفر والإيمان، وشرع لهم الحلال والحرام، وحثهم على الطاعة، وحذرهم من المعصية، وبشرهم بالثواب، وأنذرهم من العقاب، وتوجه التكليف، والأمر، والنهي إلى من كمل عقله، ولم يكلف أحدا من خلقه إلا طاقته، ووسع قدرته، ولم يخلق الله خلقا عبثا، ولم يتركهم سدي، ولله الحجة البالغة على خلقه ولا حجة لهم عليه، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون.
فإن قال: فهل يكون حكيما من يري عبده يعصيه، ويعمل عملا يستحق عليه الخلود في النار، ولا يمنعه، ولا يخلصه منه؟ قيل له: إن الله قد منعهم من ذلك أشد المنع، وخلصهم بأفضل الخلاص، وذلك: أنه زجرهم، ونهاهم، ونوعدهم بالنار، وأراهم العبر والآيات والمثلات وكل ذلك أشد المنع وأما الخلاص؛ فقد أقدرهم على ترك المعاصي، وجعل لهم السبيل إلى الطاعة، وأعطاهم كل ما ينجون به من المعصية، وحذرهم ووعدهم وتوعدهم فإن قال: فهلا منعهم بالجبر والقهر، وخلصهم بمثل ذلك؟ قيل له: لو فعل ذلك بهم لم يستحق محسن ثوابا ومسئ عقابا، ولكان لا معني لخلقهم؛ إذا لم يخلقهم لينفعهم، ولكان قد خلقهم عبثا، وتركهم سدي، والله تعلي يقول: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " وقيل: المعني في الآية ليعرفوني ويوحدوني، وآمرهم بعبادتي.
Page 363