Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
خص الله به الإنسان من خلقه، وفضل به المكلفين؛ ليبلغوا به منافع لهم، وأعدمهم العجز عما كلفهم حجة عليهم، وحكمة بالغة فيهم، وفضل عظيم لهم مع قدرته على إيصال ما عرضهم له لعبادته، وغناه عنها منها، فحسن مع ذلك تكلفهم؛ لأنه لا يجوز في الحكمة شكر من لا يستحق بإحسانه شكرا.
وقدرة الشاكر على الشكر نعمة من الله عز وجل الذي يستحق الشكر لأن الشكر لا يكون إلا بعون الله، ولا يجوز في الحكمة: أن يساوي بين الشاكر، والكافر ، ولا يعطي أحدهما ما يعطاه الآخر منها، ولو كان ذلك كذلك ما رغب الراغب في الشكر، ولا زهد الزاهد في الكفر، ولم يكن معنا في الترغيب في الشكر والتزهيد في الكفر، ولا فرق في العقل بين الحسن والقبيح، والفاسد والصحيح.
فلما لم يكن ذلك كذلك - صح الذي يستحق بالشكر من الثواب، لا يجوز أن يعطي من لا يستحق ذلك بشكره، وطاعته، وكذلك حسن التكليف.
وإن كان ذلك متعبا للمكلفين؛ إذا كانوا ينالون منه نفعا، ونعما؛ لا يجوز في الحكمة أن ينالوه من غير أن يستحقوه لفعل ما كلفوه، وإن كان الله تعالي قادرا على أن يفعل ذلك بهم، ويوصله إليهم.
ولزوم التكليف من قوله تعالي: " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم "، ويتوجه التكليف من طريقين: طريق عقل، وطريق نقل.
وطريق العقل: معرفة الله عز وجل: أنه واحد، وعالم قادر، ويجوز ذلك، فعلي المكلف عند ذكر ذلك، وسمعه اعتقاده وعلمه؛ غير معذور بجهله، ولا الشك فيه.
وما اختلف الناس فيه مثل: عالم يعلم، وقادر بقدرة، وعالم بنفسه، وقادر بنفسه؛ فحجة هذا [عليه] يلزم بالسؤال، وبعد الاستدلال، وعلى الشاك فيه؛ لا يعتقد تحويلا من قول المختلفين من غير دليل، وأن يكون متمسكا بالجملة، وهي: إن الله تعالي واحد ليس كمثله شيء.
Page 360