Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
ويقال لهم: الاستطاعة ما هي؟ فإن قالوا: هي العلامة في البدن، قيل لهم: ألستم تزعمون أن الإنسان فيه استطاعة ما لم يفعل؟ فإن قالوا: بلي؛ فقل: إذا كانت السلامة هي استطاعة؛ إذا كانت في البدن، هل غائب عن البدن؛ إذا كان قائما غير قاعد؟ فما باله إذا كانت السلامة معه حيث ما ذهب يستطيع بها أحيانا، وحينا لا يستطيع، والاستطاعة موجودة في كل وقت لا تفقد، ولا تقدم؟.
وإن قالوا: الاستطاعة غير السلامة في البدن، فقل: أخبرونا ما هي؟ فإن قالوا: إنها لا توصف، ولا توجد؛ فقل: فكيف نستطيع أن نعرف إن الإنسان مستطيع، أو غير مستطيع؛ إذا كانت الاستطاعة ليست السلامة في البدن، ولا في قوة الإنسان، والقوة والسلامة: هما شيء واحد؟ فما هي؟.
فإن قالوا: إنها ليست بموصوفة، ولا محدودة، وإنما يعرف الإنسان أنه مستطيع؛ إذا كان، إذا فعل، فقل: أفقيل الفعل، أم بعده، أم في حال الفعل؟ فإن قالوا: بعد ما يفعل، فقل: هو الذي أردنا منكم بيانه، فبينوا لنا كيف نعرفه؟ وإن قالوا: قبل ما يفعل: فقد زعموا أن الاستطاعة بعد الفعل تعرف، وليس يوصف أحد بالاستطاعة إلا بعد ذلك... خلافا لقولهم، وقولنا، وإن قالوا: يعرف في حال فعله؛ فذلك قولنا، وهو خلاف قولهم: إن العباد يستطيعون قبل أن يفعلوا.
***
القول الثالث والثلاثون
في التكليف ومعناه
والتكليف على معنيين معني يجوز إضافته إلى الله، والآخرة: لا يجوز فالذي يجوز: هو أن يكلفهم حسب طاقتهم، ليبلغوا منافع لهم دون باريهم، والذي لا يجوز: هو أن يكلفهم بحاجته إلى ما يكلفهم إياه، تعالي الله عن ذلك؛ إذ لم يزل الباري غنيا عن جميع خلقه.
وقال: بشير بن محمد بن محبوب (رحمهم الله): إن الحكمة في التكليف أن أنا وجدنا العقول بها زمام الطباع، وآلة البيان من محاسن الأمور، وقبيحها وفاسدها، وصحة صحيحها، والحكمة ما شرف فيها، والخواطر في تبينها لها، والمفكر شعارها: ذلك تقدير العزيز العليم.
Page 359