ولا يستطيع العبد إلا فعل ما هو فيه؛ لأنه لا يستطيع أن يخلق خلقه يستطيع بها أن يكون بها فاسلا تاركا، ولا مطيعا عاصيا، ولا قائما قاعدا، ولا قابضا باسطا، ولا آخذا تاركا في حال واحدة هذا مالا يصح، وإنما أن يستطيع أن يكون قائما في حال قيامه، أو قاعدا في حال قعوده، ولا يستطيع قائما قاعدا معا، لذلك خلقه الله، وهو يفعله في أحد الأمرين، غير مستطيع للآخر، لأنه مشغول بأحدهما عن الآخر.
ومعني أن الاستطاعة لا تكون إلا عند مباشرة العمل؛ لا قيل ولا يعد يحدثها الله للعبد حين كسبه لها.
ومن زعم أن له استطاعة قبل العمل؛ فقد زعم أن الله حال بين العباد، وبين أن يفعلوا ما يستطيعون.
ويقال لهم: هل يجوز للعبد أن يكون لا مؤمنا، ولا كافرا؟ فإن قالوا: بلي قد يجوز ذلك، فيقال لهم: فإذا لم يكن مؤمنا، فما يكون؟ أكافرأ أم غير ذلك؟ فإن قالوا إنه إذا لم يكن مؤمنا؛ فإنه لا يكون كافرا، فقد زعموا أن الناس قبل أن يدخلوا في الإسلام لم يكونوا كفارا.
وإن قالوا: إنه إذا لم يكن مؤمنا؛ فإنه يكون كافرا فقد صدقوا في ذلك، فيقال لهم عند ذلك هل يستطيع العبد أن يكون كافرا لا يكون مؤمنا، وإذا لم يكن مؤمنا لا يكون كافرا؟ فإن قالوا ذلك فقد تركوا قولهم.
ويقال لهم: أخبرونا عن الأعمي الذي لا يبصر، ثم أبصر متي كانت استطاعته البصر في حال العمي أم في حال ما أبصر، أم من بعد ذلك؟ فإن قالوا: قبل أن يبصر. فقد زعموا أن استطاعة البصر كانت فيه وهو أعمي، وإن قالوا: مع البصر، فقد تركوا قولهم، ورجعوا إلى ما قلنا، وإن قالوا: من بعد الفعل، فقد تركوا قولهم وقولنا، ودخوا فيما لم نقل فمن ولاهم.
Page 358