فالاستطاعة، بمعني القدرة، والقدرة في الإنسان: هي عرض في الجسم، وليست القدرة بجسم في الجسم، والعرض لا يقوم بنفسه، ولا يثبت وقتين، والقوة - لا خلاف - أنها صفة وعرض، لا تقوم بنفسها، ولا تثبت وقتين.
وحقيقة الكسب: كل فعل وقع باستطاعة محدثة مع الفعل - فأما من فعل بقدرة قديمة، فهو غير مكتسب، والدليل على أن الاستطاعة مع الفعل ... أن من لم يخلق الله له استطاعة لم يحب أن يكتسب شيئا؛ فلما استحال أن يكتسب الفعل - إذا لم تكن استطاعة - صح أن الكسب إنما يوجد بوجودها وفي ذلك إثبات وجودها مع الفعل يكن.
فإن قال قائل: أليس في عدم الجارحة عدم الفعل؟ قيل له: في عدم الجارحة عدم الاكتساب، لأنها إذا عدمت القدرة فبعدمها استحال الكسب بعدم القدرة، ولعدم الجارحة، ولو عدمت وجدت القدرة كان الاكتساب واقعا؛ ولو كان إنما استحال الاكتساب لعدم الجارحة لكان إذا وجدت وجد الاكتساب، فلما كانت توجد، ويقارنها العجز، وتعدم القدرة، فلا يكون كسب علم أن الاكتساب إنما يعدم الاستطاعة لا لعدم الجارحة.
قال الله تعالي: " ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون " وقد أمروا أن يسمعوا الحق، وكلفوه، فدل ذلك على جواز التكليف، وإن لم يصل الحق، ويسمعه على طريق القبول لم يكن مستطيعا.
والله عز وجل خلق الإنسان، خلقه لا يستطيع أن يمتنع عنها، خلقه غير ممتنع من حركة أو سكون، ولا يخلو من أحدهما أبدا حتى يموت؛ فالمتحرك لا يكون ساكنا، والساكن لا يكون متحركا هذا ما لا يكون.
والعبد لا يخلو من أن يكون متحركا أو ساكنا: بخير أو شر؛ فإذا كان في الخير شغله عن الشر؛ وإذا كان في الشر شغله عن الخير.
Page 357