348

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

فإن قال: أفيجوز أن يخلقه، ولا يكتسبه العبد، أم يكتسبه العبد ولا يخلقه الله؟ قيل له: لا يجوز أن يكتسبه العبد، ولم يخلقه الله تعالي- لأن في ذلك إيجاد الفعل كان بعد أن لم يكن، لم يثبته الله تعالي، ومحال أن يكون محدث وقع، وليس الله تعالي هو محدثه، كما أنه يستحيل أن يكون مملوك، ومربوب في العالم، لا يملكه الله تعالين ولا يكون ربه.

فصل:

ويقال لمن أنكر خلق الأفعال: أخبرونا عن الإيمان من خلق لا من شيء؟ فإن قالوا: الله خلق؛ فقد أقروا بخلق الأفعال، وإن قالوا: المؤمن هو الذي أحدث الإيمان لا من شيء؟ قيل لهم: وكيف يمكن الإنسان أن يحدث الإيمان لا من شيء، وهو لا يدري كيف كان لا من شيء؟ ولا يتصور ذلك في وهمه؟ مع أن إحداث الأشياء لا من شيء من صفة الخالق- سبحانه وتعالي- قد وصفتم المخلوق بصفة الخالق.

فإن قالوا: لو كانت أفعالنا مخلوقة؛ لما عذبنا عليها. قيل لهم: فيلزمكم أن تقولوا: إن الإيمان مخلوق، لأنه لا يعذب عليه، والكفر غير مخلوق، لأنه يعذب عليه، وكلاهما فعلكم فتناقض قولكم.

ويقال لهم: هل يكون للعبد أن يتكلم بكلمة ليس عليه لله تعالي في تلك الكلمة نعمة؟ فمن قولهم: لا يكون إلا بنعمة من الله عز وجل. فيقال لهم: أفنعمة الله علي عبده أزلية أم محدثة؟ فلابد أن يقولوا محدثة، فيقال لهم: هل يجوز أن تكون نعمة الله ليس هي من خلقه؟ فلابد من قولهم: نعم، وفيه انقطاعهم.

فصل:

قال الحسن في قوله تعالي:" وجعل الظلمات والنور"أي: خلق الكفر، والإيمان. وقال مجاهد في قوله تعالي:" ومن كل شيء خلقنا زوجين" أي: الكفر والإيمان، والخير والشر، والهدي والضلال.

وقال حذيفة: إن الله تعالي: صنع كل صانع، وصنعته.

Page 352