Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
فإن قال: أفتقولون إن الله تعالي- فعله، وصنعه؟ قيل له: ألا تري أنا نقول: إن جهنم قذرة ولا تقول: إن الله صنع الأقذار، ونقول: خلقها؟ لأن خلقها اسم يعظم في كل شيء، وصنع ودبر الأقذار، والقبائح تهجين، فنفينا عنه جل جلاله كل إضافة تهجين، والخلق صفة تعظيم مضاف إلي الله بالتعظيم.
فإن قال: أفتقولون: إن العبد فعل خلق الكفر؟ قيل له: ومعني ذلك أنه كفر، قال: أفتقولون: إنه فعل خلق الله؟ قيل له: لا. إن ذلك يوهم أنه خلقه، ويقال: أفسد المطر الطعام؛ فالمطر تدبير الله، ولا يقال: تدبير الله أفسده، ويجوز أن يقال: ما أقبح القرد، أو أقبح بجهنم، ولا يجوز أن يقال: ما أقبح تدبير الله في ذلك.
فلو قال قائل: ما أحسن جهنم- لكان في ذلك مخطئا، وهو من خلق الله تعالي؛ ولو قال: ما أحسن الخلق- لكان معيبا، وجهنم خلق.
فإن قال: إن الفعل لا يخلو من ثلاثة وجوه: إما أن يكون من العبد دون الله، وإما يكون من الله دون العبد، وإما أن يكون منهما. قيل له: قد خلا من هذه الوجوه، لأن الفعل لا يكون من العبد دون أن يكون خلقا من الله تعالي، ولم يكن خلقا من الله تعالي غير من أن يكون اكتسابا من الصبر، ولم يشتركا فيه جميعا، لأنهما لم يخلقاه جميعا، ولم يكتسباه جميعا، وإنما تكون الشركة لو أنهما خلقاه جميعا، واكتسباه جميعا، وإنما قلنا: خلقه الله، واكتسبه العبد؛ لأن الأفعال غير الأجسام.
فإن قال: أخلق الله الكفر، والإيمان؟ قيل له: نعم خلقها الله عملا من العباد، ولم يعملها علي وجه ما عملته العباد يزني، ويسرق، ويعصي، ولم يفعل الله ذلك علي ما عملته العباد، ولكن الله خلق عملهم، فخلق المعصية والطاعة عمل من العباد، وكذلك كل شيء صنعه العباد، وعملوه، فالله خالق عملهم، وخلق الله لعملهم غير عملهم.
Page 350