Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
فإن قال: فإبليس يريد الكفر قيل له: نعم، فإن قال: فالنبي(- صلى الله عليه وسلم -) يريد الكفر قيل له: لا، فإن قال: فإبليس كان أطوع لله من رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بإرادة إبليس ما أراد الله، والنبي(- صلى الله عليه وسلم -) كره ما أراد الله قيل له: بل إبليس عصي ربه بإرادته الكفر لأنه نهي عن ذلك، وأطاع النبي(- صلى الله عليه وسلم -) ربه إذ لم يرد ما أراد ربه من الكفر، وليس كل من أراد ما أراد الله مطيعا له، فإن قال: فمن ألقي الكفر في قلوب الكافرين، قيل له: إبليس ألقي الكفر في قلوب الكافرين، بالدعاء، والتزيين، والوسوسة، فإن قال: فالله لم يلق ذلك في قلوب الكافرين: قيل له: لا؛ فإن قال: فكيف؟ وهو خلقه؟ قيل له: كما أنك تقول للكفر: الله خلقه، وهو معلوم لله.
ولم يلق في قلوب الكافرين، فإلقاء الكفر في القلب- هو دعاء إليه، ووسوسة للكافرين قلبه، وأمره به وذلك عن الله- تعالي- منفي.
علي أن الله أراد بقا الكافرين؛ لأنه هو الذي يبقيهم، وأراد أن يصح أبدانهم، وينمي زرعهم، ويكثر أموالهم، وإبليس يريد ذلك، والنبي(- صلى الله عليه وسلم -) يكره ذلك، ولا يريده.
فكان النبي(- صلى الله عليه وسلم -) مطيعا لله بإرادته، وكراهيته ما أراد الله من بقاء المشركين، وصحة أبدانهم، وبذلك أمره الله تعالي - وعصي إبليس بإرادته ما أراد الله من بقاء المشركين وصحة أبدانهم.
ألا تري أن الله- تعالي- أراد موت نبيه(- صلى الله عليه وسلم -)؛ وكره المؤمنون ذلك جميعا، وأراد إبليس، وجميع أولياته من الكفار، والمنافقين موته.
فكان إبليس وجميع أوليائه عصاة بإرادتهم ما أراد الله من موت نبيه (عليه السلام)، وكان المؤمنون جميعا مطيعين بكراهيتهم ما أراد الله من موت نبيهم (عليه السلام).
Page 348