Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
ويقال له: فإرادة الله من الأمر ما لم يتم كونه أما يتم كونه، فإن قال: فإرادة الله من الأمر ما يتم كونه. قيل: فماذا دفع إرادة الله فيما أراد في أمره من عباده؟ فإن قال: إرادة الخلق دفعت إرادة الله؛ قيل له: أو ليس أنها كانت سبب دفع إرادة الله. ما أراد الخلق لأنفسهم؛ لأنه لو لم يحب ويرد الله تمكين الخلق من استطاعة دفع ما أراد الله لم يكن الخلق أبدا يدفعون ما أراد الله، ولا يستطيعون دفعه، فإن قال إنما دفع العباد ذلك؛ بما أعطاهم الله، فقد زعم؛ أن الله دفع إرادته بإرادته، وأنه تعالي أراد ذلك جميعا، فإن قال: إنما يستطيع العباد خلاف ما أراد الله منه، ويفعلون خلاف ما أراد بغير تمكين منه- تعالي- لهم، فقد زعم أنهم مستغنون عن الله تعالي . وأنهم هم الذين يفعلون ما يحبون بلا سبب من الله- تعالي- لهم، ولا قوة أعطاهم إياها، وهذا ما يدخل عليه وإن قال: إن إرادة من الله تبارك وتعالي-: ليست بواحدة، قيل له: كم هي؟ فإن قال: الإرادات كثيرة: منها ما يخلق تثبيت الخلق حتما منه، ومنها ليس بحتم قيل له: أما التي في حتم خلق الخلق فنحن وأنتم فيها سواء ، وأما التي ليست بحتم، وليست في قولكم بأمر كما قلنا. فما هي؟ وكيف هي؟ إرادة أرادها من الخلق- أن يأمرهم، وينهاهم، ولا يجبرهم، ولا يكرهم؟ فإن قال: نعم. قيل له: فهل أحب الله الذي أراد من الخلق في أمره، ونهيه؟ فإن قال: نعم قيل له: فهل كان ما أحب كما أحب؟ أم إنما أراد أمرا، وأحب خلافة؟، فإن قال: أراد أمرا وأحب خلافه؟ فقد ترك قوله، فإن قال: بل أراد أن يأجر العباد بما يحب تمامه؛ فقد رجع إلي أنها إرادة حتم، مثل إرادة خلق السموات، والأرض، ولم تتم إرادته في خلقه، كما تمت في خلق السموات والأرض. والذي نقوله: إن لله تعالي في خلقه مشيئتين، وإرادتين، ومعني المشيئة. والإرادة- واحدة، وهما اسمان تضمنهما معني واحد؛ أحدهما مشيئة الأمر الذي أرسل به الرسل، وهدي به السبل، والمشيئة الأخرى- مشيئة في خلق الخلق، وقسم الأرزاق، وما أراد في إنقاذ ما قد سبق عنده في علمه من الأمور، وما به الخلق عاملون، وإليه صائرون.
ولو كانت المشيئة من أمر الله- تعالي- واحدة، كما قالت القدرية، لم يختلف علي الله فيما أراد من الخلق، كما لم تختلف إرادته في خلق السموات والأرض، وغير ذلك، ولكان العباد فيما أمرهم به مطيعين؛ كما أطاعته السموات، والأرض؛ إذ أجابتا حين قال للسموات والأرض" ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين".
فلو كانت إرادته فيما أمر من الطاعة مثل إرادته فيما أمر من خلق الخلق- لكان الذين قال لهم: كونوا قوامين بالقسط شهداء لله- لا يكون إلا كما أراد منهم- كما زعموا- لأنه لم يرد منهم غير الطاعة، ولكان الذين قال لهم: كونوا مع الصادقين- لا يكونون أبدا إلا مع الصادقين لأن أهل القدر زعموا أن الله لم يرد في العباد، ولا للعباد إلا إرادة واحدة، وهي إرادة الإيمان، ولو كان ذلك كذلك لكان كل من قال لهم: كونوا كذا وكذا: كانوا يكونون كما قال لهم، فالله تعالي- لم يعص بعسر، ولا استكراه، ولا بغلبة، ولكن إرادته نفذت في كل ما أراد وكما أراد، وكذلك وصف نفسه فقال: " إن الله على كل شيء قدير".
Page 347