333

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

والكفر لا يكون إلا بعمل المعصية، والإنسان قبل المعصية برئ من الكفر، والكفر خلقه الله من العباد عملا، وهو محدث؛ لأن الله تعالي خالق، فخلق الإيمان، والكفر من العباد عملا.

والكفر في اللغة: هو تغطية الحق، والستر عليه، وإظهار خلافه، ويقال: كفر فلان فلانا حقه أي: أنكره وجحده إياه، وغطاء عنه، والإيمان: هو التصديق، والانقياد لله تعالي، إخلاص العمل له، والمؤمن هو المصدق، والكفر هو الجاحد الذي لم يقر بما أقربه المؤمن من التصديق بالله تعالي، وملائكته، وأنبيائه، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والبعث، والثواب والعقاب.

وقال محبوب (رحمه الله)في القدر: ولقد حمل الناس على أنفسهم أمورا قد كان يسعهم الإيمان بجملتها والكف عن الخوض فيها، والذي تقول: إن الله تعالي - خلق كل شيء فقدره تقديرا، وأن الله عالم بكل شيء من قبل أن بكون، وأنه لا يكون شيء إلا بعلم الله، وأن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين، وأن الله أمر بالطاعة. فمن عمل بها فتلك نعمة من الله عليه، ولله المنة في ذلك، وأن الله أمر بالعدل والإحسان، ونهي عن الفحشاء والمنكر، ولا يأمر بالفحشاء بل ينهي عن المعاصي، ويبغضها، ويكرهها فمن عمل بها: فالله برئ منه، ولله الحجة عليه.

وقال أبو يوسف القاضي: أدركت الناس يقولون في القدر: أن الله تعالي - ابتدأ الخلق بالنعم وجعل لهم السمع، والبصر والعقول، والأيدي والأرجل، ولا يهتدي مهتد إلا بتوفيق من الله، وتسديده، ولا يضل ضاك إلا بحجة من الله، وتقدم عليه، فالحسن معان، والمسيء مخذول، وعلم الله سابق في الأشياء، ولن يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإلا ما آتاها.

ولو أن الله عذب أهل سماواته، وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم جميعا لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أن عبدا أنفق ملء الأرض ذهبا في سبيل الله ولو لم يؤمن بالقدر. ما قبله منه؛ حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

Page 336