Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
والذي نقوله ، إن الله تعالي خلق الإيمان إيمانا حسنا، وخلق الكفر كفرا قبيحا، وخلق ما سوي ذلك من أفعال الملائكة والآدميين من المطيعين، والعاصيين، والمؤمنين، والكافرين، وخلق أفعال الحيوان أفعالا مما كانت منه، وقدر ذلك كله على ما كان عليه في جميع أموره، ومن أوقاته، وحسنه وقبيحه، وأن الأشياء لا تكون إلا بإرادة الله تعالي ومشيئته، فكل كائن، فقد شاء الله أن يكون على ما هو عليه، فمن وصف ربه بغير هذه الصفة فقد افتري إثما عظيما، ووصف الله بغير صفته.
لأن من زعم أن الله أراد من العباد كلهم الإيمان فقد علم أولو الألباب أن العباد كلهم لم يكن منهم الإيمان، وقد كان من بعضهم الكفر، فقد كان غير ما أراد الله من قول أهل الجهل وهم القدرية أنه أراد أمرا لم يكن ما أراد، فهذه صفة المغلوبين المقهورين المكرهين على خلاف ما أرادوا؛ لأنك تعلم أن كل من أراد شيئا فلم يكن ما أراد، وكان خلاف ما أراد فقد غلب، وأكره على خلاف ما أراد.
فكفي بهذا من القول فحشا؛ بل جل ربنا عن هذه الصفة، وعز وعلا أن يكون يريد شيئا، فيكون غير ما يريد؛ بل هو المريد لجميع الأشياء، لأراد لأمره، ولا معقب لحكمه.
فصل:
وفي بعض الآثار ان الله تعالي لم يزل عالما بالأشياء؛ إذ هي عدم لم تكن، ولم يزل عالما في حال كونها، وقبل كونها، وبعد كونها، وفي حال فنائها وبعد فنائها، وفي حال إنشائها بعد فنائها في الآخرة، وبعد إنشائها.
فإن قال قائل: أخلق الله الكفر، والإيمان؟ فقل: نعم، خلقهما الله عملا من العباد، ولم يعملها على وجه ما عملها العباد، ولكن خلق الله عملهم، فخلق المعصية، والطاعة عملا من العباد، وكذلك كل شيء صنعه العباد، وعملوه، فالله خالق عملهم، وخلق الله لعملهم غير عملهم.
Page 334