330

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

فإن قالوا: هل أراد الله منهم الكفر؟ قيل لهم: أراد الله أن يكون الكفر منهم باطلا مذموما، لأنا لا نضيف الأشياء إلى الله إلا بأحسن الألفاظ، ولا تضاف إلي الله إلا الأسماء الحسني، والصفات العليا، وإن كان هو خالق جميع الأشياء، كما قال الله تعالي حاكيا عن نبيه إبراهيم (عليه السلام): " الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين "، ولم يقل يمرضني، والله تعالي خالق المرض، ومريده، ومقدره على خلقه.

وزعمت القدرية أنهم يقدرون أن يفعلوا ما قد علم الله أنهم لا يفعلونه، وأنه إنما أمرهم بما هو عليه قادرون، وقول المسلمين: أنه لا يقدر أحد من الخليفة أن يعمل ما قد علم الله أنه لا يعمله، وقد أمر الله الناس أن يفعلوا ما لا يقدرون على فعله إلا بعون الله وتوفيقه.

وليس ذلك منه جور - تبارك وتعالي - لأن الجور لا يكون إلا من المأمور المنهي، والله تعالي ليس بمأمور ولا منهي، وإنما كان الجور جورا، والظلم ظلما؛ لأنه محرم، والله تعالي حرمها.

ولم يمنع الله تعالي - العباد من الأعمال، ولم يجبرهم عليها، وإنما العاجز الممنوع من كان خلقته غير محتملة لما كلف، كما أن الأصم لا يكلف أن يسمع، والأعمى أن يبصر، والمقعد أن ينهض، ولكن الله تعالي كلف العباد الإيمان، وخلقهم محتملين له، ولكن كل من اشتغل بالكفر لم يستطع الكفر؛ لأن الكفر يمنع الكافرين الإيمان، والإيمان يمنع المؤمن من الكفر.

Page 333