Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
وقيل: إن محبوبا (رحمه الله) دفع إلى محمد بن هاشم رقعة مكتوبا فيهما أما بعد: فإن عدونا من القدرية عابرا علينا أن زعمنا أن الله قد علم ما العباد صانعون فيما كلفهم قبل أن يخلقهم، وإلى ما يصيرون إلى جنة أو إلى نار، فعلم من هو صائر إلى الجنة قبل أن يخلقه، ومن هو صائر إلى النار قبل أن يخلقه، وقد احتج عليهم بالكتب، والرسل، وابتلاهم بالأمر والنهي، فهم مبتلون فيما كلفوه؛ لا يستطيعون غير ما علم الله.
فمن علم أنه صائر إلى الجنة، عامل بالطاعة، فلا يستطيع أن يعمل بالمعصية، ولا أن يصير نفسه إلى النار، وكذلك من علم منه أنه صائر إلى النار عامل بالمعصية تارك للطاعة فلا يستطيع أن يعمل بالطاعة، ولا أن يكون من أهل الجنة؛ لأن العباد لا يستطيعون أن يكون منهم غير ما علم الله أنه كائن منهم.
فلما عابوا علينا ذلك، وأنكروه، سألناهم عن ذلك. . هل علم الله قبل أن يخلق الخلق من يطيعه فيما كلفه منهم ومن يعصيه؟، فإن قالوا: نعم، فقل لهم، أليس الله قد علم بعدتهم، وأسمائهم، وأنسابهم؟ فإن قالوا: نعم قد علم الله ذلك، ومن سكن النار منهم، ومن سكن الجنة، فقل لهم: فهل يستطيع الذين علم الله منهم أنهم يسكنون الجنة منهم أن يسكنوا النار؟، وهل يستطيع الذين علم الله منهم أنهم صائرون إلى النار، أن يسكنوا الجنة؟ فإن قالوا: نعم يستطيعون ذلك، ولا يفعلونه، فقل لهم: إنكم تكلمتم في الاستطاعة، أليس تزعمون أنهم يستطيعون غير ما علم الله فهم يستطيعون أن يكون ما يجهل الله، وأن يتخذوا في سلطان الله، ما لا يعلم الله؟ فإن قالوا: نعم. فهذا قول عظيم لا يجهله عقل، ولا يجوز في قياس.
وقد كذب الله قولهم في كتابه العزيز " وكانوا لا يستطيعون سمعا "، وقوله: " ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون " وإنما يعني بهذا الذين علم الله أنهم لا يؤمنون.
Page 330