326

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

فكلمت الألباب، وعجزت العقول والأوهام عن درك معرفة هذا السر العظيم، ولم يبق إلا الرضا والتسليم، والإيمان بالقدر كله: خيره وشره، وحلوه ومره، وأن الله تعالي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون.

فعلي العبد أن يمتثل أمر الله ونهيه، ويرضي بحكمه، ويتأدب بتأديبه في جميع أموره، والله تعالي لا يظلم الناس شيئا؛ ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

ويوجد في بعض الآثار أن الله تعالي قال: أنا الله لا إله إلا أنا، خلقت الخير وقدرته؛ فطوبي لمن خلقته للخبير، وقدرته على يديه، أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الشر، وقدرته، فويل لمن خلقته للشر، وقدرته على يديه؛ فإني لا اسأل هما أفعل، وهم يسألون.

فصل:

وروي عن محمد بن محبوب (رحمه الله) أنه قال: كنت بالبصرة؛ فإذا قوم يتناظرون في القدر، فقال رجل منهم لرجل من القدرية ما أفضل، فعل الله أم فعل العباد؟ فقال القدري: فعل الله أفضل فقال الرجل: الصلاة من فعل الله أم من فعل العباد؟ فقال القدري: من فعل العباد، فقال الرجل: النوم من فعل الله أم من فعل العباد، فقال القدري: النوم من فعل الله. فقال الرجل للقدري: النوم خير له أم الصلاة؟ فانقطع القدري، لأنه يعلم أن الصلاة خير من النوم.

فإن قال قائل: ما أفضل، فعل الله أم فعل العباد؟ قيل له: فعل الله، فإن قال: الصلاة فعل الله أم فعل العباد؟ قيل: هي من الله خلق، ومن العباد عمل وكسب، وإن قال: النوم فعل الله أم فعل العباد؟ قيل له: النوم والاضطجاع فعل العباد، وما يغشاهم من النعاس فعل الله، فإن قال: ما أفضل الصلاة أم النوم؟ قيل له: الصلاة التي هي فعلي أفضل من فعلي في النوم ، وخلق الله في ذلك أفضل، وأن يقوم يصلي الله أفضل من اضطجاعه في النوم، وما خلق الله من جميع ذلك فلا يقاس يفعل العبد.

فصل:

Page 329