Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
وقال أبو سفيان: سمعت الربيع يقول: إن عبد السلام بن عبد القدوس عظم أمر القدر، وقال فيه قولا شديدا، وكره الكلام فيه، فقال الربيع، فأخبرت بذلك أبا عبيدة، فقال: ما قال عبد السلام شيئا. ما القدر إلا رأي من رأي الناس اختلفوا فيه، ليس فيه نكاح، ولا انتحال هجرة، ولا سباء ولا غنيمة؛ وصغر أمر القدر، قال المؤلف رحمه الله: إن ذلك قاله لترك البحث عن أمر القدر، والخوض فيه. وإلا: فهو عظيم عنده؛ لأن الإنسان يخرج من دين الإسلام بأقل شيء منه، وقد غضب الله على عزيز لأجل سؤاله عن كلمة في القدر، وضل كثير من أهل المذاهب بسبب القدر، فالقدر بحر عميق قد هلك فيه بشر كثير.
وقيل: المتعمق في أمر القدر - كالذي ينظر في عين الشمس؛ كلما اعتمد بنظره إليها أكثر ازداد عمي، وكذلك القدر، وقد قال النبي (- صلى الله عليه وسلم -): القدر سر الله في الأرض، فلا تتكلفوه، أو قال: لا تكشفوه.
وقيل: كان واصل بن عطاء المعتزلي صاحب عمرو بن عبيد يتمني لقاء أبي عبيدة الكبير (مسلم بن أبي كريمة)، وبقوا: لو لقيته قطعته، وقطعت الإباضية فلقية بمكة في المسجد الحرام، ومعه أصحابه؛ إذ قيل له: هذا أبو عبيدة في الطواف، فقام إليه واصل، فقال له: أنت أبو عبيدة؟ قال: نعم. قال: أنت الذي بلغني عنك أنك تقول: إن الله يعذب على القدر؟ قال أبو عبيدة (رحمه الله): لا ولكن يعذب على المقدور، ثم قال أبو عبيدة لواصل:، أنت الذي بلغني عنك أنت تقول: إن الله يعصمني باستكراه؟ قال: فنكس واصل رأسه فلم يحب.
ومضي أبو عبيدة (رحمه الله)، فأقبل أصحاب واصل إليه يلومونه، ويقولون: كنت تتمني لقاءه، فسألته، فخرج وسألك فلم تجب، فقال واصل لأصحابه: وبحكم !! بنيت بناء منذ أربعين سنة، فهدمه أبو عبيدة وأنا قائم لم أقصد.
Page 326