Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
وقيل لبزرجمهر: مالك لا تناظر في القدر؟ قال: إني أري ظاهرا استدل به على باطن: أري أحمق مرزوقا، وأري عاقلا محروما؛ فعلمت أن التدبير ليس للعباد.
والإيمان بالقدر: خيره وشره هو أن يؤمن العبد أن الله خلق كل شيء من خير وشر، والكفر من الشر، الإيمان من الخير، والإيمان: هو التصديق أنه كائن من الله عز وجل قد جري في اللوح المحفوظ بعلمه.
وثم التقدير، والقادير، فالتقدير: ما أراد الله كونه، والمقادير: الأوقات التي تكون فيها المقدورات على المقدور عليهم في الليل، والنهار، وقال أبو سعيد (رحمه الله) يروي( (1) ) عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قال: القدر سر الله في الأرض فلا تتكلفوه. وقال أبو عبد الله (رحمه الله) إن من قول أصحابنا (رحمهم الله): إن الله لم يجبر أحدا من خلقه على طاعة، لا معصية، ولكن قد علم من يعمل منهم بطاعته، ومن يعمل منهم بمعصيته من قبل أن يخلقهم، فأراد إنفاذ ما علم، وقال: تسأل القدرية هل يعلم الله عز وجل من يدخل الجنة، ومن يدخل النار؟ فإذا قالوا: نعم. فقل: أفأراد الله إنفاذ ما علم أم أراد إبطاله؟ فإن المخرج يضيق عليهم.
وقيل إن عزيزا سأل ربه؟ فقال: يا رب. إنك عزيز لا تغلب، ولا تحب أن تعصي، وأنت تعصي، فكيف هذا؟ فأوحي الله إليه: أن كف عن هذه المسألة، ثم لبث ما شاء الله، ثم أعاد المسألة، فأوحي الله إليه؛ هل تقدر أن نصر صرة من الشمس، أو تقدر علي رد أمس؟ قال: يا رب لا. قال: قد نهيت أن ترجع تسأل هذه المسألة، فرجعت، فقد جعلت ثوابك منها أن محوت إثمك من النبوة، إذ رجعت و سألت عما نهيتك عنه.
ولما بعث عيسي بن مريم (عليه السلام) سأل ربه عن هذه السألة، فأوحي الله إليه: يا عيسي. إن عزيزا سألني عن هذا الذي سألتني عنه، وكان من أمره كذا وكذا، فكف عن هذه المسألة، فكف عيسي، ولم يرجع يسأل ربه عن ذلك.
فصل:
Page 324