313

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

فأراد موسى (عليه السلام) أن يأتيهم الجواب من عند الله ليكون أقطع لحجتهم، وأبين لبطلان قولهم، وقد كانوا سألوه من قبل أن يكلمه الله بحضرتهم، فاختار موسى (عليه السلام) منهم سبعين رجلا وسار بهم إلى الميقات.

فلما كلمه الله بحضرتهم قالوا: اسأل الله الرؤية؛ لتبين لقومك أنها لا تجوز عليه، فقال: " رب أرني أنظر إليك "، ومراده في ذلك أن يأتيه الله بجواب يكون زجرا لبني إسرائيل عن الإقامة على هذا السؤال، فقال. " لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني " ثم جعل الجبل دكا وهم ينظرون إليه، وأتاهم عند ذلك بالصاعقة، والرجفة.

فصعق موسى (عليه السلام)، والسبعون الذين اختارهم؛ فموسى لم يمت، والسبعون ماتوا ثم أحياهم الله، وبعثهم من بعد موتهم، كما قال الله تعالي " ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ".

فجوابه لموسى (عليه السلام). "إنك لن تراني" زجر لقومه عن الإقامة على هذا السؤال، ومطلبهم على موسى (عليه السلام) ما لا يجوز على الله تعالي.

وتاب موسى (عليه السلام) إلى الله تعالي، لأنه سأل من غير إذن من الله له في هذا السؤال، وصعق امتحانا، لا عقابا، لأن ذنبه كان صغيرا معفوا له، وكذلك الذين نالتهم الصاعقة من السبعين، إنما نالتهم امتحانا لا عقابا.

يدل على ذلك قوله عز وجل مخبرا عن موسى (عليه السلام): " فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " لأن موسى، والسبعين، لم يسألوا الله تعالي الرؤية، وإنما سأل تلك الرؤية السفهاء من قومه؛ لأنه لو كان هو الذي سأل ذلك لما قال: " أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " فبين أنه إنما سأل، ليبين الله تعالي لقومه أن هذا السؤال لا يجوز على الله تعالي.

Page 316