309

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

وإن كان يراه في كل مكان - فالمخلوق إذن أعظم من الخالق إذ كان هو في مكان ينال بصره من مكان في كل مكان، وأيضا فلا يخلو من أن يكون يراه حتى لا يخفي عليه منه شيء إلا ويراه - فقد أحاط به. والمحاط به ضمير، والمحيط به أكبر منه، وإن كان يخفي عليه منه شيء فالذي خفي عليه غير الذي لم يخف، وهذه صفة المحدود، والمتغاير الذي بعضه غير بعض، تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا.

وقيل: سئل النبي (- صلى الله عليه وسلم -) هل رأيت ربك؟ فقال: لن تراه الأبصار بالمشاهدة في الدنيا ولا الآخرة. ولكن رؤية القلوب بحقائق الإيمان، وللقلب رؤية كما للعين رؤية.

وأما روي عن جرير بن عبد الله البجلي أنه روي عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أنه قال: سترون ربكم يوم القيامة؛ كما ترون القمر ليلة البدر؛ لا تضامون في رؤيته فلم يصح هذا الخبر عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) عند الأكثر من أصحاب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وإن صح؛ فنخرج معناه: أنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر - أي: تعرفون ربكم اضطرار معرفة، لاشك أن الله أخبرهم بكتبه المنزلة على ألسن أنبيائه بما يكون من أمر القيامة. والأكثر من الناس لا يؤمنون بذلك يقينا؛ فإذا عاينوا أمر القيامة تيقنوا معرفة الله، وصدق وعده، ووعيده، وصار معهم الخبر عيانا، والشك يقينا؛ كما يعاينون القمر ليلة البدر من صحة اليقين بمعرفته اضطرار؛ لأن معرفة الله عز وجل في الدنيا باكتساب يقع فيها الاختلاف، ويعترض فيها الشك لمن يجهل ذلك.

وأما معرفة الله في الآخرة فتقع المعرفة بالاضطرار، واليقين بصحة ما أخبر الله تعالي عباده في كتبه، وصدق رسله؛ أنه سيكون كذلك، كما أخبر الله تعالي عنهم؛ بأن قالوا: " هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون " لأن رؤية البصر لابإدراك لشخص محدود، وذلك منفي عن الله تعالي؛ كما ذكرنا.

Page 312