وقيل: معني الرؤية، إلا ما كان يدرك من جهة الأبصار، فذلك رؤية جسم، وأما ما سواه فالرؤية بمعني المعرفة، قال الله تعالي: " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل "، وقوله: " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل "، و " ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين "، " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم "، ومثل هذا في القرآن كثير. وكل ذلك معناه ألم تعلم ذلك؟ وتعرفه بالخبر الذي أخبرتك به؟. واللغة ناطقة شاهدة بذلك. يقول القائل: قد أري ما يجئ منك، وأري الحق. كما أراك. أي: أعرف الحق كما أراك. قال الله تعالي: " ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون "، وهم إذ ذاك لم يكونوا، وإنما خلفوا من بعدهم. وإنما عرفوا ذلك بالأخبار، لا بالنظر بالعين، وقوله عز وجل: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون "، والموت لا يري جهرة، وإنما رؤيته بالمعرفة.
وقد مدح الله نفسه فقال: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير "، فمن زعم أن الأبصار تدركه في الآخرة، فقد زعم أن مدائح الله عز وجل تزول في الآخرة، وهذا لا يجوز على الله تعالي، وقد نفي الله عز وجل أن تدركه الأبصار، وأن يري جهرة؛ فهو سبحانه وتعالي: لا يري في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لأن مدائحه لا تزول؛ فإن قال قائل: أنه لا يري في الدنيا، ويري في الآخرة فعليه إقامة الدليل.
ولا يجوز في حجة العقل: أن يري الله تبارك وتعالي جهرة بالأبصار؛ لأنه لا يخلو الناظر إليه من أن يكون يراه في مكان دون مكان، أو يراه في كل مكان؛ فإن كان يراه في مكان دون مكان فما فضل الخالق على المخلوق؟ إذا كان المخلوق في مكان دون مكان؛ والخالق كذلك؛ وهذه صفة المحدود؛ والله تعالي جل وعلا عن ذلك.
Page 311