307

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

في النظر، والرؤية، والكلام النظر في لغة العرب على معان: نظر على جهة الانتظار مثل قولهم: انظر الفرج من الله تعالي، ثم على يدي فلان، بمعني انتظر؛ لأن ذلك لا تنظره إلا الأعين، ونظر على جهة الإمكان من قولهم: إنما أنظر إلى رزق الله وفضله، ونظر: على جهة الاختيار، كقولهم. أنظر لي من هذا وهذا، أي: اخترلي. ونظر على جهة الحكم من قولهم: أنظر بيننا: أي أحكم بيننا، وقولهم: ما أحسن ما نظرت بيننا. أي حكمت بيننا، ونظر على جهة التثبت مثل قولهم: أنظر ما يقول فلان أي تثبت، وتبين ما يقول، ونظر على جهة العائدة، والرحمة مثل قوله تعالي.: " ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ". أي لا ينظر إليهم برحمته، ونظر على جهة الخلق إلى الله تعالي انتظار فضله، ورزقه كرامته في الدنيا، والآخرة.

فليس لأحد من الخلق أن ينظر إليه جهرة لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لأن الأبصار لا تدرك إلا الأجسام المحدثة، أو فيما يكون في معني من معانيها، ولا يدرك، ولا يري بالأبصار إلا ما كان محدثا محدودا، والمحدود لا يكون إلا جسما، أو هيئة لجسم، والجسم صنعة صانع، وكل مصنوع له صانع، والصانع لا ينسيه المصنوع. فمن زعم أنه يري الله جهرة؛ فقد زعم أنه محيط بالله تعالي؛ لأن الأبصار إذا رأت شيئا فقد أحاطت به وبما رأت وعليه وقعت؛ أما على كله، وأما على بعضه؛ فإن وقعت عليه كله- فقد حصرته، وحدته، وأحاطت به، فإن وقعت على بعضه، فقد جزأته، وبعضته، والله تبارك وتعالي لا يجوز عليه ذلك.

ونظر من جهة العلم؛ مثل قولهم: أنظر إلى ما صنع فلان. أي: أعلم ذلك، قال الله تعالي: " انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض "، " انظر كيف ضربوا لك الأمثال "، ونحو هذا يريد أعلم.

وأما نظر الجهر، فهو معاينة الشيء، ورؤيته، وإدراكه، والإحاطة به، وذلك عندنا منفي عن الله تعالي.

Page 310