فلما كان موسي (عليه السلام) غير جائزة منه الرؤية لله تعالي، ولم يكن الله تعالي يجوز عليه ذلك - جاز أن يقال: موسى محجوب عن الله؛ كما أن الرجل قبل أن يتكلم فيمنعه مانع، ويقول: حجبني فلان عن الكلام، ويقول حجبني خوف الله تعالي عن المعاصي، أي: منعني، ويقال: الضرر محجوب. أي: ممنوع، وليس هناك حجاب ساتر. فكذلك موسى (عليه السلام) محجوب عن الله، إذا كان تبارك وتعالي لا تجوز عليه الرؤية، ولا يري؛ لأنه قديم، ولا يري في الدنيا، ولا في الآخرة، لأنه لا تغيير عن صفاته أبدا في الدنو.
والدنو من الله تعالي، هو سرعة الإجابة، وقرب المنزلة، ألا تري أن العرب تقول: أتينا فلانا فأسرع إلينا. يعنون إلى إجابتنا، وإلى ما سألناه.
قال الله تعالي: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي " أي: فليجيئوا إلى طاعتي.
وقيل: الدعاء الطاعة، والإجابة: الثواب؛ كأنه قال: أجيب دعوة الداعي بالثواب إذا أطاعني، وهذا إذا لم يسأل الداعي مجالا.
ويروي عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أنه قال: "ما من مسلم دعا الله دعوة - ليس فيها قطيعة رحم، ولا إثم - إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث. إما أن يعجل دعوته، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما يدفع عنه من السوء مثلها "، فالإجابة كائنة عند حصول الدعوة؛ لأن قوله تعالي: "أجيب" حين لا يحوز عليه النسخ.
وقيل: للدعاء آداب، وشرائط هي أسباب الإجابة، ونيل المنية؛ فمن وعاها، واستكملها، كان من أهل الإجابة، ومن أغفلها، واستهان بما فهو من أهل الاعتداء في الدعاء.
Page 308