304

Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin

منهج الطالبين وبلاغ الراغبين

وأما ما رووه أن قلب ابن آدم بين أصبعى الله تعالي يمثله كيف يشاء، فإن كان الحديث حقا؛ فمعناه: أنه مثل لهم قدرته بأوضح ما يعرفون من أنفسهم؛ لأن الرجل منهم لا يكون على شيء أقدر منه على الشيء؛ إذا كان بين أصبعيه، كقولهم: فلان في يدي، وإلا في كفي، وإلا في خنصري، إنما يريد بذلك إثبات القدرة أي: أنا عليه قادر، وله قاهر لا يمنعه منه شيء، لا يريد أن الخنصر يحويه. وذهب بعضهم: إلى أن قوله (- صلى الله عليه وسلم -): "بين أصبعين" أي: نعمتين من نعمه، إحداهما: سوق الخير إليه، والفسحة في النماس الرزق، والأخري: هي صرف الشرور عنه. وقيل: الأصبع الأثر الحسن في الحجاب.

ذكر أهل الجهل: أن الله تعالي احتجب بحجب سائرة، وكذبوا على الله فليس بين الله وبين خلقه حجاب، لأنه لو كان محتجبا بالحجب لم يحتجب عن الحجب، وهي خلق من خلقه، والله تعالي، لم يحتجب بخلقه عن خلقه، ولا بشيء غيره، ولو جاز أن يحتجب بخلقه كان بما احتجب به مرتفعا، وإليه محتاجا، والله تعالي لا يحتاج، ولا يفتقر لشيء.

وقال على في قوله تعالي: " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب "، أي: ما ينبغي لبشر. كما قال: " ما كان لله أن يتخذ من ولد ".

وروي أنه قال: إن الله تعالي حجب الكلام الذي سمعه موسى عن أهل السماء والأرض؛ فلم يسمعه إلا موسى (عليه السلام) وهذا أحسن ما قيل في هذا الباب.

وقال بعض العلماء: الحجاب في اللغة على معنين: حجاب سائر، وهو الذي يعقله الناس، وحجاب بمعني المنع من غير ستر مصور بشخص.

Page 307