Minhaj al-Talibin wa-Balagh al-Raghibin
منهج الطالبين وبلاغ الراغبين
وأما اليمين التي هي الجارحة فهي منفية عن الله عز وجل لأنها من صفات المخلوقين، وقوله تعالي: " والسموات مطويات بيمينه " أي: فانيات ذاهبات بأمره وقوته، وقوله " مطويات " أي ذاهبات بقسمه؛ لأنه أقسم ليفنيها.
وقد يستعملون اليد، واليمين، عند الملك، والسلطان فمنه قول الواعظ: كن عما في يد الله منك بما في يدك. أي: لما في ملك الله عز وجل، وقوله: " وما ملكت يمينك " أي ملكت، وهذا توسع، ومجاز في لغة العرب، وكلامهم.
فصل:
والقبضة في كلام العرب: الملك، والقدرة، والنفس، وإفناء الشيء، وقبض الأرواح. فالملك، والقدرة قولهم: ما فلان إلا في قبضتي. أي: في ملكي، وقدرتي، وصار المال في قبض فلان، أي: ملكه.
وأما القبضة التي هي فناء الشيء فهو قولهم: قد قبضه الله إليه. يعنون قد أفناه الله في الدنيا، لا أنه قبضه الله القبضة المعقولة بيننا باليد التي هي الجارحة: تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا، فإن قال قائل: ما معني قوله عز وجل: " والأرض جميعا قبضته يوم القيامة " قيل [له]: إنه قد روي عن ابن عباس (رضي الله عنه)، والحسن، وقتادة أنهم قالوا: في قدرته، وسلطانه، وملكه، وقال غيرهم: يعني ذاهبة فانية يوم القيامة بقدرة الله سبحانه وتعالي، وهو القادر على فنائها.
وجائز أن يقال الأشياء في قبضة تعالي أي: في ملكه لا قبضة جوارح؟ إذ الجوارح عن الله تبارك وتعالي - منفية وأما قوله تعالي " يقبض ويبسط " فقيل: يفتر أي: يضيق على قوم، ويوسع على من شاء؛ لا يريد بذلك قبض اليد التي فيها الأصابع، ولا بسطها، فلو كان ذلك كذلك، لما جاز أن يكون قابضا باسطا في حالة واحدة، والله تعالي في حال واحد: يقبض الرزق على من يشاء، ويبسط على من يشاء، وفي الحال التي هو فيها قابض عن هذا باسط على هذا، لأنه على كل شيء قدير.
Page 306