756
المبدأ العام في تعلق الدين بالرهن هو عدم تجزئة الرهن عند الوفاء بجزء من الدين، أو أن الرهن حق لا يتجزأ، فإذا رهنت عين بدين، تعلق الدين بجميع أجزاء العين المرهونة أو بجميع وحداتها، كما أنها هي رهن بجميع أجزاء الدين.
فإذا سقط جزء من الدين بإبراء أو وفاء مثلا، ظل باقيه متعلقا بجميع العين المرهونة، أي يبقى الرهن حتى يتم الوفاء بكل الدين، وبناء عليه، يكون الرهن مرهونا مقابل مجموع الدين، لأنه أضيف إلى مجموع الدين بصفة واحدة، فلا يكون نصف الرهن مقابل نصف الدين.
والدين الذي تعلق بالرهن: هو الذي جعل المال رهنا به فقط، ولا يتعلق غيره من الديون بالمرهون.
وعلى أساس هذا التعلق، يثبت حق الحبس للمرتهن، فله حبس جميع المرهون، حتى يوفى بكل الدين، سواء أكان المال شيئا أم عدة أشياء.
وهذا المبدأ أو الأصل متفق عليه بين الفقهاء، لكنهم اختلفوا في تطبيقه في حالة تعدد العقد وعدم تعدده:
فذهب الحنفية: إلى أن اتحاد العقد يقوم على اتحاد الصيغة، فإذا اتحدت الصيغة اتحد العقد، سواء أكان الرهن في دين واحد أم أكثر، فلو وفي المدين أحد الديون، لا يسترد ما يقابله من المرهون، سواء اتحد المرهون أم تعدد.
ولو وفي الراهن ما يقابل أحد الأعيان المرهونة لا يسترده، حتى ولو سمي في عقد الرهن لكل عين مرهونة حصة من الدين، لأن العقد واحد ولا يتعدد بالتسمية.
وسواء تعدد الراهن (كأن يرهن مدينان شيئا عند دائن) أو تعدد المرتهن (بأن كانا شريكين أو كان لكل واحد منهما دين مستقل على الراهن) .
فإذا اتحد العقد، لا يتحرر شيء من الرهن لأن الرهن محبوس بجميع الديون، أو بجميع الدين.
وإذا تعدد العقد بتعدد الصيغة، يتحرر من الرهن ما يقابله.
وارتأى المالكية: أنه يتعدد العقد بتعدد كل من الراهن والمرتهن، أو بتعدد أحد الطرفين.
ويكون عقد الرهن واحدا إذا كان كل من الراهن والمرتهن واحدا.
فإذا اتحد عقد الرهن، يكون جميع المرهون رهنا بما بقي من الدين بعد وفاء بعضه، لأن كل جزء من المرهون رهن بكل جزء من الدين.
وإذا تعدد الرهن بأن كان الراهن اثنين والمرتهن واحدا، فوفي أحد الرهنين ما عليه من دين، استرد حصته.
أو كان الراهن واحدا والمرتهن متعددا، فوفى الراهن أحد الدائنين، فإنه يسترد من الرهن ما قابلها.
ولكن في هذه الحالة الأخيرة إذا كان المرهون مما لا ينقسم ووفى أحد الدائنين، يجعل الرهن تحت يد أمين، أو تبقى الحصة في يد المرتهن أمانة.
ووافق الحنابلة المالكية، فقالوا يتعدد العقد بتعدد الموجب أو القابل، فإذا كان الموجب اثنين والقابل واحدا، نشأ عقدان.
وإذا كان الموجب واحدا والقابل اثنين، نشأ أيضا عقدان.
وإذا كان كل من الموجب والقابل اثنين، نشأ أربعة عقود. ويكون عقد الرهن واحدا إذا كان من الراهن والمرتهن واحدا، سواء أكان الدين واحدا أم متعددا.
فإذا وفى المدين بعض الدين، أو وفى دينا من الديون، لم يكن له أن يسترد ما يقابله من الرهن.
وإذا تعدد الراهن، فمن وفي دينه خرجت حصته من الرهن.
وإذا تعدد المرتهن، فوفى الراهن أحد الدائنين خرجت حصته من الرهن واستردها الراهن.
وقرر الشافعية: أنه يتعدد الرهن ويتحد بتعدد الدين ووحدته، والغالب أن يتعدد الدين بتعدد العاقدين، ولو اتحد وكيلهما، بخلاف البيع، والعبرة فيه بتعدد العاقد المباشر للعقد، ولو وكيلا، لأن المال المرهون وثيقة بالدين، فإذا تعدد الدين تعددت الوثيقة، وتعدد الدائن أو المدين يستلزم تعدد الدين غالبا.
أما البيع فهو عقد ضمان، فكان النظر فيه لمن باشره.
فالمناط عندهم هو تعدد الدين وعدم تعدده، ويتعدد الدين بتعدد المدين أو الدائن غالبا، ويتحد بعدم تعددهما، أو بكون الدين مشتركا ولوكان اثنين، وهذه الحالة الأخيرة هي التي تفرق مذهب الشافعية عن مذهبي المالكية والحنابلة.
وبناء عليه، لو رهن شخص دارا عند دائنين، ثم وفي دين أحدهما، انفك من الرهن ما يقابل هذا الدين من المرهون، لتعدد الدين بسبب تعدد الدائن، بشرط أن يختص أحد الدائنين بما يقبضه، فإن شاركه فيه الآخر لم ينفك شيء من الرهن لعدم وفاء الدين على التمام.
ولو استعار مالا من اثنين ليرهنه، ثم أدى نصف الدين، انفك نصف المال المرهون.
فالعبرة باتفاق الفقهاء في فكاك شيء من المرهون، أو عدم فكاكه، بتعدد عقد الرهن وعدم تعدده، إلا أن مناط مناط تعدده عند الحنفية: هو تعدد الصيغة، دون نظر لتعدد العاقدين أو عدم تعددهما.
ومناطه عند المالكية والحنابلة: هو تعدد العاقد. وعند الشافعية: هو تعدد الدين وعدم تعدده، ويتعدد الدين عندهم بتعدد العاقد غالبا، فيصبح مذهبهم قريبا من مذهبي المالكية والحنابلة، فتكون العبرة عند الجمهور بتعدد العاقد إلا إذا كان الدين مشتركا وكان الدائن اثنين، يعد الرهن واحدا عند الشافعية.

1 / 755