443

وكثير من هؤلاء يدعى خلل كلامه أنه يأتي ببرهان على )113ب ( وجود الحد للمحدود، فيكون الأوسط مما يأتي به كالحد للأكبر، ويكون الذي يبينه هو وجود للأصغر، ولا يكون الكبر إلا عرضا للأصغر غير حد، فيكون بين غير الحد، وعنده أنه بين الحد. على أن هاهنا شيئا يجب أن نعلمه ونتيقنه، وهو أنه لا يمكن في الحقيقة إثبات حد أكبر له حد أو رسم إلا بتوسط الحد والرسم بالقوة أو بالفعل : فإنه ما لم يكن حد الشيء أو رسمه موجبا للشيء فليس هو بموجب، وما لم يكن مسلوبا فليس هو بمسلوب، لكنه ليس ذلك على أنه هو الحد الكافي الذي لا حاجة إلى غيره. فإنه حق ما قبل في أمثلتهم إن حد الاتفاق هو كون النغم على نسبة عددية كذا، وإنه إذا جعل هذا حدا أوسط أنتج أن النغم متفقة؛ فيكون الشيء الذي هو ماهية مفصلة بالاتفاق هو بعينه حد أوسط. لكنه ليس يجب من ذلك أن يكفيك هذا التوسط، أو انه لا يكون البرهان إلا بمثل هذا التوسط.فإنه لو كان معلوما لنا أن هذه النغم موجود لها هذا الحد، لكنا لا نشك في أنها موجود لها الاتفاق، ولكن في أكثر الأمور يشكل علينا حمل الحد كما يشكل علينا حمل المحدود، فلا ننتفع بتوسط الحد، بل نحتاج إلى توسط أمور لا محالة يتأدى بتوسطها إلى إنتاج وجود الحد قبل تأديتها إلى إنتاج الجملة التي يدل عليها المحدود. لكن تلك الوسائط تكون أمورا غير الحدود للمحدود. فلست ترى برهانا قط وسط فيه حد حقيقي للأكبر ثم أنتج منه حمل المحدود على الأصغر. ولو كان البرهان هو هذا فقط : أعني الذي أوسطه الحد، ما كنا نجد برهانا على شيء إلا على ما وجود حد الكبر للأصغر فيه ظاهر، ووجود نفس الحد الأكبر خفي، وما أقل أمثال هذه الأشياء. وكذلك إن جعلوا الوسط حدا للأصغر، وقلما يجري ذلك في أمثلتهم.

ولو شئت أن أبين أن هذا لا يكون بالحقيقة وإنما يكون بحسب الظنون لفعلت. وبالجملة يعسر عليهم أن يدلوا على أنه كيف يبرهن على مطلوب محموله أعم، بمتوسط أخص. فيجب إذن أن ننصف ولا نغتر بهذه الأقاويل الملفقة. ونرجع إلى ترتيب التعليم الأول.

ولأن العلل الذاتية للماهية داخلة في الحد لأنها مقومة لذات الشيء، فهي داخلة في البرهان، لأنا بينا أن اليقين إنما يكون بمعرفتها. والبحث عن لم هو بحث ما بوجه ما عن ما هو بعد الوجه الذي ذكرناه أولا. وإذا أعطينا في الحد الوسط حد الحد الكبر، وكان بين الوجود للموضوع، فقد برهنا إذ دللنا على السبب.

وإذا أوردنا الحد الأوسط الذي هو العلة الذاتية إيرادا في قول الشيء فقد حددنا. مثاله أن يقال : لم كان كسوف القمر؟ فيقال لأن الأرض توسطت بينه وبين الشمس فاحتجب الضوء. وكلما كان كذلك فإن القمر ينكسف. والحد الأوسط هو ماهية الكسوف : لأن ماهية كسوف القمر هو انمحاق ضوء القمر لتوسط الأرض بينه وبين مفيد الضوء اعني الشمس. وكذلك إذا قيل لم اتفقت هذه النغمة مع هذه النغمة؟ قيل لأن بينهما نسبة عددية، التفاوت فيها بالقوة أو بالفعل مثل أحد العددين. فهذا بعينه ماهية الاتفاق الذي في النغم : لأن اتفاق النغم ائتلاف صوتين عند الحس بسبب نسبة عددية بهذه الهيئة. فالأوسط إذن داخل في الحد هاهنا دخوله في البرهان، والبحث عن لم يطلب الأوسط. ألا ترى أنا لو كنا نشاهد هيئة انكساف القمر بتوسط الأرض ولو مشاهدة حسية فنكتسب منه بالتجربة دون البرهان علما كليا لكان بحثنا حينئذ عن لم باطلا : إذ كنا وجدنا علة الكسوف؟ فكذلك إذا لم نجده من ذلك الوجه فنحن إنما نطلب إياه بالقياس.

فإذن المطلوب باللم النافع في طلب ما وقع من ذلك.

وليس إذا أعطينا برهانا فقد أعطينا حدا، وإن كان قد يتوهم فيما سلف من ذكر مشاركة طلب اللم - وهو طلب البرهان - وطلب ما، وهو طلب الحد، أن البرهان والحد قد يقومان على شيء واحد من جهة واحدة، وأنا إذا أعطينا برهانا أعطينا حدا، وليس كذلك من وجوه : أولها أن كل حد فهو إيجابي لمحدود، وليس كل برهان يوجب على مبرهنه بل قد قد يسلب.

وأيضا أن كل حد فمحدوده كلى، وليس كل برهان كليا على مبرهنه. فليس إعطاء برهان المبرهن إعطاء حد المحدود.

صفحہ 500