442

ولكن من الناس من ظن أن هذا منعكس، وأنه ليس في البراهين شيء هو بحث اللم إلا وهو بحث الما بالقوة، ولا بحث الما إلا وهو بحث اللم. وتعدى هذا إلى أن الأوسط في البراهين هي الحدود. وكل ذلك أمر باطل. فإنه ليس كل بحث عن ما هو عن الأوسط. وأيضا ليس البحث عما هو الأوسط هو البحث عن مائية أحد الحدين الآخرين حتى يكون الجواب به حدا. ولا كل ما هو علة موجبة فهو حد أو جنس أو فصل أو مادة أو صورة : فإن العلل الموجبة لأمور لا في أنفسها ولا هي بوجه ما نفس الواجب - لا صورة ولا مادة. وكثيرا ما نجد بين الأوساط في البراهين ما ليس مادة ولا صورة ولا حدا، بل نجده شيئا موجبا لشيء في شيء : فإن الجنس المتوسط يوجب وجود الجنس الأعلى في نوع الآخر، بل وفي كل ما يحمل عليه الجنس المتوسط 0 وإن لم يكن على أن ذلك الشيء نوع الجنس المتوسط - إيجاب العلة؛ وليس هو حدا للكبر ولا صورة ولا مادة. ولا أيضا يوجب إيجاب غير علة كما علمت أو ستعلم.

وكثير من الخواص هو علة لكثير من الخواص، وهي خارجة عنها ليست بجنس لها ولا فصل ولا حد. فإن كون المثلث بحيث يكون خطه الخارج عنه على صفة مذكورة، يوجب كون زواياه مساوية لقائمتين من غير أن يكون خطه - بتلك الصفة - جنسا ولا فصلا داخلا في الذات لكون زواياه مساوية لقائمتين، ولا مادة ولا صورة.

وكذلك كثير من الأوساط البرهانية ليست حدودا ولا عللا داخلة في جوهر الشيء، بل عللا فاعلة وموجبة. وهكذا حكم قيام الأرض في الوسط للكسوف. وهكذا مماسة النار فإنها قد تجعل حدا أوسط في إثبات احتراق الخشبة. وإن كانت قد يجوز أن تجعل هذه العلل الموجبة فصولا من جهة - على أنها أجزاء فصول لا تحمل، بل تحمل الفصول المعمولة منها. كما أن القدوم لا يقال إنه حديد، بل من حديد، ولا يقال إن الحمى عفونة، بل من عفونة.

وليست أجزاء فصول مقومة للذات هي أخص الفصول، بل أجزاء فصول خاصية فقط. فإن العلل الفاعلة هي علل الوجود وليست عللا للماهية. وأجزاء الحد - أجناسا كانت أو فصولا حقيقية، أو أجزاء فصول - هي التي تكون عللا للماهية. وأما علل الوجود فليس يجب أن تكون عللا للماهية. ولذلك لا تدخل علل الوجود - وهي الفواعل والغايات - في الحدود، بل تدخل في الرسوم القائمة مقام الحدود. ولو كانت جميع العلل الموجبة للوجود تدخل في الحدود لكنا نعلم حدوث كل محدث ومحدث كل محدث من حدة.

فإذن قد يكون من الحدود الوسطى في البراهين ما هي علل موجبة لأمور ليست تلك الحدود أجزاء من تلك الأمور. فإذن ليس كل حد أوسط حدا أو جزء حد، وإن كان قد تكون الحدود حدودا وسطى وأجزاؤها، اللهم إلا أن يكون يعنى بالحد الحد والرسم معا فتكون العلل الموجبة للشيء خاصة على الإطلاق أو مخصصة بها مما يدخل في الرسوم.

وأما إذا كان الحد الأوسط أخص من الأكبر لم يلزم من هذا القبيل شيء. إنما لهم حينئذ أن يقولوا إن الأوسط يكون هناك حدا للأصغر. ويلزم أيضا ما نقوله للآخرين.

فلو كانت الحدود هي الحدود الوسطى لا غيرها لكان يكون إدراك الأشياء أمرا سهلا. وذلك لأن من المحال أن يطلب وجود محمول لموضوع ولا يعلم ما الذي يفهم من لفظه. فإن كان له حد فأول ما علينا أن نفهم حده، وإلا فرسمه فقط. فكما نفعل ذلك لا يبقى علينا كثير شغل في أن نفهم وجوده للأصغر. فإنه كما نفهم حد المساواة لقائمتين ونضيفه إلى الأصغر - وهو المثلث - يقوم لنا أوسط يبرهن منه. وكما نفهم حد المساواة ونضيفه إلى مثلثين متساويي الأضلاع على التناظر، فينشرح لنا معرفة المساواة فيها. وقد يفعل هذا فلا يفلح بل يحتاج إلى أوساط أخرى ضرورية إذا أعطيناها وأحضرناها علمنا أن المثلثين متساويان، ونكون قد علمنا حد التساوي وحد المثلث قبل ذلك ولم ينفع علمنا بهما.

فهذه أقاويل من جنس الزخارف التي يرمون بها التنويه باسم البرهان، وأنه الشيء الذي من الحد لا غير.

صفحہ 499