المنطق
المنطق
لكني أزيد هذا الكلام تحصيلا وأقول : إن الأمور الممكنة يعتبر حال وجودها ويعتبر حال إمكانها. فأما اعتبار حال الوجود في الممكنات على سبيل التوقع فلا طلب فيه إلا عن الأكثريات، ولا قياس إلا عليها، فإن لوجودها فضيلة على لا وجودها في الطبع والإرادة، وعلى الجهة التي أوضحناها في فن سلف. وأما المتكافئ في الوجود واللا وجود فليس يقوم برهان أو دليل على أحد طرفيه إلا قيام مرجح لذلك الطرف مخرج إياه جميع أصنافه برهان على الممكن الأكثري وعلى المساوي وعلى الأقل - أعني البرهان الذي يبين أنه ممكن لا ضروري الوجود العدم - لا البرهان الذي ينذر بوجوده أو لا وجوده، إلا أن يكون شيء منهما أكثريا. وكل ما قلناه في الأكثري الوجود فانقله إلى الأكثري اللا وجود وأنزل أنا عنينا بالوجود الحكم أي حكم إيجابا أو سلبا. ثم قيل في التعليم الأول إنه ليس الحس برهانا ولا مبدأ للبرهان بما هو حس : لأن البراهين ومبادئها كليات لا تختص بوقت وشخص وأين. والحس يجد حكما في جزئي في آن بعينه وأين بعينه . فإذن الحس لا ينال مبادئ البرهان ولا البراهين،ولاشيء منه هو علم بكلى. ولو كنا نحس أن زوايا المثلث المحسوس مساوية لقائمتين، لما كان ينعقد لنا من إحساس ذلك رأى كلي " أن كل مثلث كذلك " . ولا علم بالعلة " . ولو كنا نحس أيضا أن القمر لما حصل في المخروط الظلي انكسف، لم يمكنا - من جهة الحس - أن نحكم بالكلى : وهو " أن كل كسوف قمري فمن كذا وكذا " ، لأنا لا يمكننا أن نحس بكل كسوف ولا بالكسوف الكلى. أما كل كسوف فلأن ذلك لا نهاية له في القوة. وأما الكسوف الكلى فلأنه للعقل فقط، وإن كنا قد نستقرئ من تكرار المحسوسات الجزئيات أمورا كليى - لا لأن الحس أدركها ونالها - ولكن لأن العقل من شأنه أن يقتنص من الجزئيات المتكررة كليا مجردا معقولا لم يكن الحس أدركه، ولكن أدرك جزئياته فاختلق العقل من الجزئيات معنى معقولا لا سبيل إليه للحس، بل يناله بإشراق فيض إلهي عليه.
وأيضا فإنا كثيرا ما نتوصل بالحس إلى مقدمات كلية - ل لأن الحس يدركها - بل لأن العقل يصطادها على سبيل التجربة، وعلى ما أوضحناه نحن من قبل حيث بينا ما التجربة.
ولما كان الحس قاصرا في كثير منها عن الإدراك المستقصي، صار يوقعنا ذلك في عناء وبحث عن حال ذلك المحسوس نفسه بقوة غير الحس وهي العقل بالفعل مثل حال الزجاجة والجسم الملون الذي وراءها، فإن الجسم الملون الذي وراءها يرى من غير أن تحجب القارورة دون ذلك حجب كثيرة من الأجسام الأخرى. فقوم يقولون إن السبب في شف الزجاجة أن كل ما لا لون له فهو شاف مؤد للون الذي وراءه. وقوم يرون أن سبب ذلك استقامة المسام والثقب التي في الزجاجة فينفذ فيها الشعاع الخارج من البصر ويجوزها إلى أن يلاقي المبصر. قيل في التعليم الأول : فلو كان الحس مما يمكنه بنفسه إدراك الثقب لكان العقل سيجد سبيلا إلى أن يحكم بأن السبب فيه الثقب، وأن الإبصار كائن بنفوذ البصر في تلك الثقب، ولكان يميل إلى المذهب المائل إليه، وإن كان بعده البحث باقيا أنه : هل فيها هواء أو خلاء، وإن كان فيها هواء فهل الهواء في تلك يؤدي اللون، أو الشعاع ينفذ إليه فيه؟. وبالجملة لو كان الإبصار بنفوذ )112 أ( شيء في الثقب، وكان مع ذلك يميز ذلك ويدركه، لكان العقل يجد سبيلا إلى أن يحكم في الأبصار بان السبب فيه اتصال بين البصر والمبصر بواسطة شعاعية، لا نفس شفيف الزجاجة من حيث لا لون لها، وكان حينئذ يكون ذلك العلم حاصلا بالحس، لا أن الحس حصله، لكن لأن العقل اتخذ الحس مبدأ للتجربة.
ثم قيل إنه لا يصح أن يظن أن مبادئ المقاييس كلها متفقة : أما أولا فإن المقاييس منها منتجة للكاذبة، ويجب أن تكون مقدماتها كاذبة؛ ومنها منتجة للصادقة - وهي وإن كانت قد يجوز أن تكون مقدماتها كاذبة فذلك إنتاج يقع منها لا بالذات بل بالعرض. ويشبه ألا تكون هي من جهة إنتاجها للصادق عن الكاذبة قياسات، لأن القياس إنما هو قياس من جهة ما ينتج بالذات، لا من جهة ما ينتج بالعرض. وإذا كان كذلك فيجب أن تكون القياسات المنتجة للصادقات من مقدمات صادقة، وللكاذبات من كاذبة. وإذا كانت كذلك كانت مبادئ القياسات الصادقة غير مبادئ القياسات الكاذبة.
وأيضا فإن القياسات الكاذبة ليست متفقة في النتائج، فإن الأضداد قد تكذب معا : مثل قولنا إن المساوي هو اكبر، والمساوي هو أصغر.
وأيضا فإن أشياء غير متضادة تكذب معاولا تصدق معا : مثل قول القائل إن العدل تهور، وقوله إن العدل شجاعة. وكذلك قوله الإنسان فرس وقوله الإنسان ثور، فإن هذه في قوة المتقابلة وغن لم تكن متضادة أو متقابلة بالفعل.
صفحہ 493