المنطق
المنطق
المباحث إنما تكون من علم واحد إذا اشتركت في الموضوع الأول وكان البحث فيها إنما هو عن العوارض الذاتية التي تعرض له أو لأجزائه أو لأنواعه، واشتركت في المبادئ الأولى التي منها يتبرهن أن تلك العوارض الذاتية موجودة للموضوع الأول أو لأجزائه أو لأنواعه. فإذا اختلفت في الموضوع الأول وفي المبادئ الأولى للبراهين اختلافا ما تشير إليه - ونعني بالمبادئ الأولى لا المقدمات فقط، بل الحدود وغير ذلك - فليست من علم واحد. فإذا أردت الامتحان فارفع كل شيء إلى مبادئه وجنسه الأول - أي موضوعه - فنجد المختلفات من العلوم مختلفة فيهما مثل مسائل المناظر ومسائل الهندسة. أما في الجنس - أي الموضوع - فنجدهما مختلفين فيه لا محالة. وأما في المبادئ فتجدهما وأن اشتركا فيها بوجه ما، فإنهما يختلفان من وجه آخر. فإنك تجد المبادئ، وهي للهندسة أولا وللمناظر ثانيا. وهذا أمر قد فرغنا منه. وليس اختلاف البراهين يوجب اختلافا في هذا الباب، فقد يكون على شيء واحد برهانان مختلفان لا من حدين أوسطين يحمل أحدهما على الآخر فقط، مثل قولنا كل إنسان حيوان، وكل حيوان مغتذ؛ وقولنا كل إنسان نام، وكل نام مغتذ، بل ومن حدين أوسطين لا يحمل أحدهما على الآخر مثل قولنا كل قابل للذة متحرك، وكل متحرك متغير، مع قولنا كل قابل للذة ساكن وكل ساكن متغير. فالأول أحد حديه الأوسطين تحت الآخر : فإن الحيوان تحت النامي. وأما الثاني فهما مختلفان ليس أحدهما تحت الآخر. وكذلك قولنا كل إنسان ضاحك، وكل ضاحك متعجب. وأيضا كل إنسان مستحي، وكل متعجب : فإن هذين وإن كانا من جملة ما ينعكس على الآخر لأجل موضوعهما، فهما ليسا ما يكون أحدهما تحت الآخر. فقد بان أن اختلاف الحدود الوسطى لا يوجد اختلافا في المباحث من جهة اختلاف علومها. وقد يمكن أن يطلب فيوجد نظير هذا في الشكلين الآخرين : فتوجد الحدود الوسطى المختلفة بالوجهين جميعا تنتج نتيجة واحدة. ولقرب مأخذ ذلك البيان لا نطول الكلام بتفصيله.
وأما أن جعل البرهان غنما هو على الضروري فأمر قد فرغنا منه. وأما أنه قد يكون على الأكثري فبعض المفسرين يأبى أن يكون على الأكثري برهان. بل إنما تسمح نفسه بأن يكون عليها قياس، ويقول لأنها لا يتبعها يقين إذ ليس بها أنفسها يقين. والحق ورأى المعلم الأول يوجب أنه قد يكون على الأكثري برهان مصنوع من مقدمات أكثرية يعطى سببا من أسباب أكثرية، ويكون به يقين غير زائل من جهة ما هو أكثري، وإن كان ظنا من جهة ما هو موجود على ما علمت في مواضع أخرى.
فإن أريد بالبرهان كل قياس يكون على الشيء من جهة العلة وعلى نحو وجوده، فيكون على الأكثري برهان. وأما إن أراد أن يخص باسم البرهان ما كان بالقياسات المعطية للعلة على شرط أن يعطى وجودا غير متغير وغير مختلف وبالفعل الصرف وليس فيه إمكان، فليس على الأكثري برهان، بل قياس ما آخر يصنع من البرهاني والجدلي والخطابي والمغالطي والشعري، ويكون قد تكلف في هذا الاشتراط مالا حاجة إليه. بل الأولى أن يقول إنه لما كان كل بيان إنما يكون لوجود متميز عن لا وجود : وهذا على وجهين : إما أن يكون الاستحقاق دائما فيكون ضروريا، أو غالبا غير دائم - وهو الأكثري. فإذن لا بيان في أمر متميز الوجود إلا لهذين.
ولا برهان على شيء كونه ووجوده اتفاقي لا يتميز بالاستحقاق عن كونه.
صفحہ 492