426

وربما كان المشهور لا وسط له - لا لأنه بين بنفسه وفي حقيقته - بل لنه كاذب مثل أن اللذة خير وسعادة. فتحليل القياسات الجدلية يجب أن يكون إلى المشهورات؛ وتحليل البرهانية يجب أن يكون إلى البرهانيات.

ويجب أن نبتدئ الآن فنبين أن هذه الأوساط متناهية بعد أن نعاود مرة أخرى حال ما بالذات وما بالعرض من المحمولات. فنقول : يقال من وجه للمحمول إنه محمول بالحقيقة لا بالعرض إذا كان الموضوع مستحقا لأن يوضع بذاته محصل الذات ليحمل عليه ما يحمل، فوضع وحمل عليه محمول ما أي حمل كان، مثل قولنا الإنسان أبيض : فإن الإنسان جوهر قائم بذاته غير محتاج إلى حامل يحمله. ثم البياض قائم فيه ومحتاج إلى حامل له مثله. فإذا جعل الإنسان موضوعا والأبيض محمولا فقد حمل حمل مستقيم فهو حمل حقيقي لا بالعرض. وبإزاء هذا القسم حمل ما بالعرض، وهذا إما أن يقلب ما من شأنه ن يكون محمولا في طباعه فيوضع لما من شأنه أن يكون موضوعا في طباعه. فيقال أبيض ما إنسان، فيكون بالحقيقة قد أخذ الموضوع مرتين بالقوة. وذلك لأن البيض من جهة ما هو أبيض فقط لا يمكن أن يكون موضوعا، لكن الموضوع هو الذي عرض له أن كان أبيض - وهذا هو الإنسان الذي عرض له البياض، فهو أبيض. وإما أن يكون عرضان في واحد فيحمل أحدهما على الآخر، فيقال إن الأبيض متحرك : أي الشيء الذي عرض له البياض فقد عرض له الحركة، لا أن الأبيض نفسه من حيث هو أبيض موضوع للمتحرك.

ويقال للشيء إنه محمول بالذات والحقيقة إذا كان الوصف له بنفسه، كان عن طبعه أو بقاسر أوجده فيه، ولكنه ليس لشيء غيره من اجله يقال له. وإذا تحققت لم تجد الصفة في نفسه، مثل ما يقال إن الحجر متحرك وإن كان لا بالذات يتحرك ولكن بالقسر.

وبإزاء هذا محمول بالعرض، وذلك إذا كان الشيء يوصف بمحمول ليس في ذاته مثل ما يقال للساكن في السفينة إنه متحرك وإنه يسير إلى موضع كذا، وإذا حققته وجدته ساكنا. فربما كان الموصوف به بالحقيقة منفصلا عنه كالسفينة في هذا المثال، وربما كان متصلا كما يقال كرم أبيض أي عناقيده بيض. ويقال محمول بالذات لمثل حمل العم على الأخص كالحيوان على الإنسان. ويقابله المحمول بالعرض وهو أن يحمل الأخص على العم، فيقال حيوان ما إنسان.

ويقال للشيء إنه محمول بالذات إذا كان محمولا على ما يحمل عليه أولا، مثل السطح إذا قيل له أبيض. وبإزاء هذا : محمول بالعرض كما يقال جسم أبيض - أي سطحه أبيض.

ويقال للشيء إنه محمول بالذات والحقيقة إذا كان ليس وارادا على الشيء من خارج، غريبا، بل هو شيء يقتضيه طبعه ويكون من طبعه مثل ما نقول إن الحجر يتحرك إلى أسفل بالذات. وبإزاء هذا المحمول بالعرض كالحجر يتحرك إلى فوق بالقسر.

ويقال محمول بالذات لما لم يكن من شأنه أن يفارق الشيء في حال. وبإزائه المحمول بالعرض. فيشبه أن يكون انحدار الحجر إذا حمل عليه الحجر من المحمولات بالعرض من هذه الجهة لأنه ليس ملازما.

ويقال محمول بالذات لما كان ليس من شأنه أن يفارق الشيء وكان مع ذلك مقوما لماهيته لا واردا غريبا. وبإزائه المحمول بالعرض معروف. فيكون إذن كون السطح أبيض محمولا بالعرض.

ويقال محمول بالذات لكل ما من شأنه أن يؤخذ في حد الشيء أو يؤخذ الشيء في حده. وبالجملة ما يكون مناسبا لذلك الشيء بالحد الذي لأحدهما. فما خرج من هذين يكون محمولا بالعرض.

ونريد أن نبين أن المحمولات الذاتية على ما بينا من الذاتي متناهية، ولا يلتفت إلى ما بالعرض في هذا الموضوع.

الفصل السادس في حكاية ما قيل في التعليم الأول من)109ب (تناهى أجزاء القياسات وأوساط الموجب والسالب

صفحہ 483